د. محمد ناجي
انطلقت اليوم الحملة الانتخابية بمرجعية يؤطرها خطابان متكاملان في إبراز الداء والعطب المزمن الذي يعاني منه المغرب منذ استقلاله ، وتحديد الهدف المنشود الذي يتوخى المغرب تحقيقة، والوسيلة الناجعة والأداة الصالحة لتحقيق تلك الغاية.
فقد أسال الخطاب الملكي الأخير للذكرى الثانية والستين لثورة الملك والشعب مدادا كثيرا، ولاقى إستحسانا شعبيا كبيرا ترددت أصداؤه في التعليقات الوافية الوفيرة المتناثرة في وسائل الإعلام بكل أنواعها؛؛ غير أن الذي أود أن أشير إليه هو أنه لن يتيسر لنا فهم هذا الخطاب الأخير فهما وافيا وعميقا إلا إذا ربطناه ببعض ما جاء في الخطاب الذي أذيع قبله بمناسبة عيد الشباب، والذي تميز بالوصف الشامل والوافي لبعض معاناة المغاربة في الداخل والخارج..
لقد تحدث جلالة الملك في خطاب عيد الشباب عن التهميش وظروف الحياة القاسية، التي تعاني منه فئات كثيرة من الشعب من ساكنة القرى النائية ورؤوس الجبال ، والمناطق الصحراوية والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل، والمناطق الهامشية، والأحياء العشوائية بضواحي المدن. فإذا أضفنا إلى هذه المناطق الني تشكل أكثر من ثلثي المساحة المغربية، مناطق أخرى تتمثل في كبريات المدن المغربية كالدار البيضاء التي كانت هي الأخرى موضوع انتقاد ملكي لأحوالها وأوضاعها، وأضفنا إليها غيرها من مدن المغرب التي ليست بأحسن حالا من الدار البيضاء، فإننا سوف ننتهي إلى أن المغرب كله يعاني من التهميش، ومن سوء ظروف العيش، ومن الأوضاع الصعبة اقتصاديا واجتماعيا.
فمن المسؤول عن كل هذا؟
لماذا يوشك أن يصل المغرب إلى الستين من عمره من حياة الاستقلال وهو ما يزال يعاني من قصور شديد في كل مناحي الحياة الكريمة والعيش الرغيد والعدالة الاجتماعية الحقة، ومن نقص حاد في « البنيات التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية، سواء في مجال التعليم والصحة، أو الماء والكهرباء والطرق وغيرها »، كما جاء في الخطاب الملكي.
هذا السؤال هو الذي كان هاجس الخطاب الأخير لثورة الملك والشعب ؛ ومن ثم فقد تعرض جلالة الملك فيه إلى تحديد المهام والمسؤوليات، حتى يرتفع ذلك اللبس والتداخل الذي كثيرا ما يشوش على أذهان المغاربة وهم ينتقدون أوضاعهم السيئة ولا يعرفون لمن يتوجهون بذلك الانتقاد: هل إلى الحكومة التي لا تسهر على النهوض بالبلاد إلى المكانة اللائقة بها، أم للبرلمان الذي تقاعس في متابعة الحكومة وتنبيهها إلى أخطائها وتحفيزها على العمل الجدي ، أم إلى البلديات والجماعات التي لا تولي اهتماماتها للمصلحة العامة بقدر ما توليها لقضاء مصالحها الخاصة؟
لقد سبقت في خطاب العرش في 30 يوليوز المنصرم إشارة إلى شيء من تحديد المسؤوليات في قوله :
« ولضمان النجاح لهذا الورش الاجتماعي الطموح، فإننا ندعو الحكومة لوضع مخطط عمل مندمج، يقوم على الشراكة بين مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية، لتوفير وسائل تمويل المشاريع، وتحديد برمجة مضبوطة لإنجازها.
ويمكن إدماج هذه المشاريع ضمن التوجه الجديد للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وفي إطار البرامج المقبلة للمجالس الجهوية والمحلية، لما أصبحت تتوفر عليه من موارد هامة واختصاصات واسعة».
إذن فهو عمل مشترك : حكومة تضع البرامج والمخططات للنهوض بالورش الاجتماعي، ببرمجة محددة ومضبوطة، ومجالس جهوية ومحلية مندمجة في هذا المخطط بما أصبح يتوفر لديها من موارد هامة واختصاصات واسعة. وهذا ما ينقلنا إلى الخطاب الثاني لذكرى 20 غشت والذي تعرض فيه جلالته إلى دور المواطن الحاسم في اختيار الشخص الذي سوف يتولى الإشراف على تحقيق هذه المشاريع والمخططات وينجزها على الوجه الصحيح ؟
إن دستور 2011 جعل الحكومة تنتخب من صناديق الاقتراع، بأن يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات.. وبذلك أصبح الشعب هو من يحدد من يتولى منصب رئيس الحكومة..
والجماعات الجهوية والمحلية هي الأخرى ينتخبها الشعب .. فإذا اختار منتخبين فاسدين؛ فليس من حقه أن يحتج على فساد التسيير ونهب المال العام؛ لأن الشعب هو من اختار فاسدا لتدبير بلديته أو جماعته..
الشعب في الغالب ينتخب عن حسن نية، وتُـقدم له برامج فيصدق أصحابها ويعتقد أنهم مخلصون في وعودهم، وأنهم جادون في أعمالهم؛ ثم بعد الانتخاب يتبين أن أولئك المنتخَـبين لم يكونوا إلا غشاشين أو كذابين أو منافقين أو وصوليين.. أو ما شئت من الأوصاف ؛ فما العمل؟
إن الشعب لا يملك وسيلة للاقتصاص لنفسه إلا عن طريق التصويت العقابي. ولكن إلى متى سيظل الشعب يصوت تصويتا عقابيا ضد الأشخاص أو الأحزاب، بدل أن يصوت تصويتا سياسيا للبرامج والمخططات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصالحة والواعدة بتحسن قابل للتحقيق؟
إننا منذ الاستقلال تقريبا ونحن نصوت تصويتا عقابيا؛ حتى جربنا كل الأحزاب من اليمينية إلى الوسطية إلى الليبرالية إلى الإدارية إلى الاشتراكية إلى الإسلامية .. والنتيجة واحدة؛ تخلف يفضي إلى تخلف، وتقهقر يؤدي إلى تقهقر..
وها هو اليوم أمامنا مثال صارخ واضح : الحزب الحاكم؛ حزب العدالة والتنمية الذي دخل الانتخابات السابقة بوعد واضح صريح حمله شعارا أوليا ورئيسيا وهو محاربة الفساد؛ فلما تولى رئاسة الحكومة وآل إليه تسيير شؤون الدولة تنكر لذلك الوعد، وادار ظهره للشعب الذي صوت عليه، فلم يحارب فسادا، ولا تابع مفسدين، ولا قدم شيئا لهذا الشعب يذكره به بخير؛ إلا إغراقه في الديون إلى أم رأسه، وزيادة ارتفاع تكلفة الحياة ، واستفحال الظلم والفساد القضائي حتى أصبحت الشكاوى المرفوعة عبر وسائل الإعلام إلى جلالة الملك لا تنقطع ولا تفتر بما يتعرض له المواطنون من ظلم واعتداء وتزوير واستيلاء على الممتلكات وأحكام جائرة وقرارات نيابية لحماية المجرمين ، وتقلصُ فرص التوظيف، وانهيار مستوى التعليم، واستفحال البطالة في صفوف الشباب من الجامعيين وغير الجامعيين.. إلى غير ذلك مما يعاني منه هذا الشعب جراء ثقته التي وضعها في حزب اعتقد أنه ذو مرجعيته إسلامية تجعله بعيدا عن أن يكون مخادعا أو كاذبا أو منافقا أو وصوليا؛ فجاء الواقع مكذبا لهذه التوقعات.
[email protected]
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



