كل ما قاله “التامك” في اليوم الوطني للنزيل

بسم الله الرحمن الرحيـم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

حضرات السيدات والسادة :

يطيب لي في البداية ان أرحب بالحضور الكريم، وأن أتوجه إليه بالشكر الجزيل على مشاركته في هذا الحفل الذي تنظمه المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء ضمن مجموعة من الأنشطة المبرمجة بمختلف المؤسسات السجنية تخليدا لليوم الوطني للسجين الذي يتزامن أيضا مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان.
والواقع أن هذا الحفل بحضوره الوازن وبفضائه الجميل وفقراته الفنية والأدبية المتنوعة، يرمز الى طفرة نوعية في مقاربة الإدماج، قوامها المسؤولية المشتركة والانفتاح على المجتمع والتواصل مع الراي العام حول الجهود المبذولة لتكريس المؤسسة السجنية كفضاء لتهيئ السجناء للإدماج.

حضرات السيدات والسادة :
بالرغم من تطور الجريمة وتعدد أشكالها وأساليبها، فإن المفهوم الإصلاحي للعقوبة السالبة للحرية ظل حاضرا وبقوة في التشريعات الجنائية بمختلف الدول، كما أن دور المؤسسة السجنية، والذي يجب أن يكرس هذا المفهوم الإصلاحي من خلال تأهيل السجناء مهنيا وتربويا ومعاملتهم في اطار ما يكفل صون كرامتهم وحقوقهم الأساسية، لم يعد ممكنا الاختلاف حول ضرورة تكريسه، بل انه مدخل أساسي لمكافحة الجريمة والحد من آثارها على المجتمع.
والمغرب من البلدان التي سارت على نهج الإصلاح والتحديث في هذا المجال بخطى ثابتة وبرؤية واقعية وموضوعية للتحديات والرهانات المطروحة ، وبلغ من النضج الحقوقي ما يؤهله لتثمين دور المؤسسات السجنية على أساس تقويم الاختلالات وتجويد البرامج والانفتاح المسؤول على المبادرات الجادة والهادفة.
ولا يمكن في هذا الصدد، إلا استحضار بكل فخر واعتزاز العناية المولوية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره برعاياه المواطنين من السجناء الذين أنعم عليهم جلالته في أكثر من مناسبة بزيارات يتفقد من خلالها أحوالهم ويدشن العديد من المراكز البيداغوجية للتكوين والتأهيل. كما أن تفضل جلالته بإحداث مؤسسة تحمل اسمه الجليل ويرأس فعليا مجلسها الإداري، يؤكد حرص جلالته على العناية بأوضاع السجناء وتلبية حاجياتهم الأساسية، وعلى تعبئة كل الموارد لضمان استفادتهم من برامج فعالة للإدماج، فضلا عن مبادرة جلالته حول الرفع من هيكلة قطاع السجون الى مندوبية عامة بإمكانيات وآليات محفزة على إعداد وتنفيذ البرامج الاصلاحية المنشودة.
وسيرا على هذا النهج بادرت المندوبية العامة إلى اعتماد إستراتيجية جديدة تستند إلى التوجيهات الملكية السامية، والى المرجعية الحقوقية والعلمية في بلورة محاورها الأساسية، ومن بينها، أنسنة ظروف اعتقال السجناء، وضمان أمن السجون وسلامة الأشخاص، وتحديث الإدارة وإعمال الحكامة الجيدة ، وكذا إعداد وتنفيذ برامج تهيئ السجناء للإدماج، ويذكر منها على وجه الخصوص برامج التعليم والتكوين المهني ومحو الأمية، وكذا البرامج الثقافية والرياضية والتربية الروحية بالإضافة الى المصاحبة النفسية والرعاية الصحية وبرنامج تشغيل السجناء.
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن مجموع السجناء المستفيدين من البرامج التعليمية والتكوينية ارتفع خلال السنوات السبع الأخيرة أربع مرات بفضل الجهود المشتركة مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء والقطاعات الحكومية المعنية، وكذا بفعل إعمال حكامة جيدة في إدارة هذه البرامج. كما أن مجموع الأنشطة الثقافية والرياضية والدينية تجاوز السنة الحالية 21000 نشاط، شاركت فيها الجمعيات ب600 نشاط، يضاف إلى ذلك مشاركة أزيد من 17000 سجين من مختلف الوضعيات الجنائية في برنامج شمل مسابقات ثقافية في مجال الشعر، والقصة القصيرة، والزجل، والخط العربي، والمسرح، والموسيقى، والأمثال والحكم، ومسابقات رياضية في كرة القدم، وكرة اليد، والكرة الطائرة وكرة الطاولة والشطرنج، بالإضافة الى مسابقات دينية شملت تجويد وترتيل وحفظ القرآن الكريم، وكذا تفسير الحديث النبوي الشريف. وقد برهن هؤلاء النزلاء خلال مشاركتهم في هذا البرنامج على تملكهم لطاقات إبداعية لاشك أنكم ستتفاعلون مع العروض الفنية للمشاركين منهم في فقرات هذا الحفل .

حضرات السيدات والسادة :
إن الجهود المبذولة لتكريس المؤسسة السجنية كفضاء لتهيئ السجناء للإدماج ، مهما بلغت من النضج والتميز فإنها لن تؤدي الى تحقيق الأهداف المنشودة بمعزل عن إيمان الجميع بطاقات هؤلاء النزلاء المبدعين وبتعلقهم بأمل احتضانهم بعد الإفراج. هؤلاء السجناء لم يكن السجن ليفقدهم حريتهم في الإبداع واستثمار الوقت للإنتاج الأدبي والفني، فلا يجب أن يستقر حالهم على الإحساس بالإقصاء والتهميش بل يجب أن نفسح لهم المجال لاحتضانهم وتثمين ما يملكون من إبداعات للمصالحة التامة مع النفس ومع المجتمع، واستشراف المستقبل بأمل واعد في الإدماج.
حان الوقت لنقول يكفي السجون ما عانت من وصم بتفريخ الإجرام دونما اعتبار للجهود المبذولة لأنسنتها وتمكينها من أداء دورها التأهيلي والإصلاحي، فهي وإن كانت لم ترق إلى ما نطمح إليه وتعاني من إشكاليات بنيوية ومن مشكل الاكتظاظ على وجه الخصوص، فإنها سائرة في مسار إصلاح يتسم بالواقعية والجرأة في طرح الإشكاليات واقتراح الحلول في إطار المسؤولية المشتركة. كما يستلزم تظافر جهود الجميع لأجل تكريس المؤسسة السجنية فعليا كفضاء لتهيئ السجناء للإدماج.
وأود أن أشير في هذا الباب إلى أن المندوبية العامة منفتحة على كافة المبادرات الجادة والهادفة، وتعمل في هذا الصدد على الأخذ بالممارسات الفضلى لدى بعض الدول الرائدة في المجال في إطار التعاون المشترك، وكذا على نقل تجاربها إلى بعض الدول الصديقة في إطار التعاون جنوب – جنوب، كما حصل مع دولة النيجر، حيث استفاد مجموعة من اطرها من تكوين شامل في مجال إدارة المؤسسات السجنية.
ولا يفوتني في الختام الإشادة والتنويه بالدور المتميز لمؤسسة محمد السادس لإعادة ادماج السجناء وبجهودها ومساهماتها القيمة في بناء وتجهيز العديد من المراكز البيداغوجية للتكوين، ومصاحبة السجناء خلال مسار تنفيذهم للعقوبة، وكذا على مستوى استقبالهم وتتبعهم بعد الإفراج في إطار مراكز الرعاية اللاحقة، والتنويه موصول إلى كافة القطاعات الحكومية المساهمة بدورها في البرامج المعتمدة لتهيئ السجناء للإدماج، على جهودها وانخراطها بجد في إنجاح هذه البرامج.
كما لا يفوتني أيضا أن أنوه بالتفاعل والتجاوب الإيجابيين والموصولين مع الفاعلين الحقوقيين، سواء المؤسساتيين منهم، وأخص بالذكر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أو الجمعويين وبالأخص المرصد المغربي للسجون.
و ستظل المندوبية العامة منفتحة على كل هؤلاء الشركاء وعيا منها بأهمية ذلك في الاستجابة لمتطلبات تهيئ السجناء للإدماج وتحسين ظروف اعتقالهم و كذا لانتظارات بلدنا في مجال صون الحقوق والحريات، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس اعزه الله ونصره.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني