د. محمد ناجي
الخبران المنشوران اليوم 18 فبراير على صفحات وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الوطنية ؛ وخاصة كواليس اليوم ، حول أخطر عملية استخباراتية من نوعها ، حيث « نجحت عناصر المكتب المركزي للأبحاث القضائية ، التابع للمديرية العامة للأمن الوطني … في إنقاذ الشعب المغربي من حمام دم حقيقي … وهذه هي المرة الألف التي يقدم فيها رجال عبد اللطيف الحموشي في الــ BCIJ الدليل القاطع على أن أجهزتنا الاستخباراتية والمغربية بخير وعافية » [1]


الحمد لله .. خبر سار فعلا “ومُـطَـمْـئِـنٌ” ـ إلى حد ما ـ على ضمان سلامتنا؛؛ ولكنه من جهة أخرى “غير مُـطَـمْـئِـنٍ” ـ إلى حد كبير ـ على تلك السلامة عندما نقرأ الخبر المنشور قبله بعنوان : ((رشاشات أوتوماتيكية ومسدسات ومتفجرات ورايات لداعش واعتقال 10 إرهابيين)) ، والذي جاء فيه:
«…فقد أسفرت هذه العملية عن اعتقال العقل المدبر لهذه الشبكة الإرهابية … حيث تم حجز 4 رشاشات أوتوماتيكية مزودة بشواحن ذخيرة ، و3 شواحن فارغة، و3 مسدسات بالرحى، ومسدس أوتوماتيكي، ، وبندقية مزودة بمنظار، وكمية كبيرة من الذخيرة الحية، و13 قنبلة مسيلة للدموع، و4 عصي حديدية قابلة للطي، وصاعق كهربائي، و6 قارورات بلاستيكية تحتوي على مواد كيمياوية مشبوهة يحتمل استعمالها في صناعة المتفجرات، و3 قارورات زجاجية تحتوي على مواد سائلة مشبوهة ، ومسامير ، ورايتان ترمزان لما يسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية” ، بالإضافة إلى عدة أسلحة بيضاء، ومجموعة من الأصفاد البلاستيكية ، وبذل عسكرية» [2] .
إنه عتاد حربي متكامل لشن حرب عصابات داخل المدن .. تقلب أوضاع الدولة، وتحولها إلى ساحة حرب حقيقية ، هي أخطر حرب يمكن أن تُـشَـن على أي دولة كانت، مهما بلغت قوتها واشتد عتادها وتطورت إمكانياتها الحربية .. إنها أشد على الدول من حروب المواجهات ؛ لأنها تستهدف البنيات التحتية والأساسية للدولة، وتستهدف إنهاكها اقتصاديا، وتستهدف جعل المواطنين يشعرون بالتذمر والنفور، وتستهدف تجييش المواطنين لتكوين جيش شعبي منضم إليهم.
فمن أين وكيف دخل كل هذا العتاد الحربي الهائل، الذي فيه ما هو جاهز للاستعمال الفوري، وفيه ما هو مشروع صناعة مواد إرهابية وحربية عند الحاجة، لتزويد الإرهابيين المستمر بها ..
أين الجمارك ؟
وأين الرادارات ؟
وأين المراقبون الطرقيون ؟
إنها نتائج الفساد والرشوة اللذين لم تعبإ الدولة بمحاربتهما في كل مرافقها محاربة صارمة قاسية ، بلا مساومات ولا أعذار، ولا هوادة.
على المسؤولين أن يدركوا ـ وهم يدركون ذلك فعلا ـ أن هدف الإرهاب الداعشي ليس هو مجرد جريان حمامات الدم في البلاد، ونشر الخوف والهلع بين الناس، وقطع الرؤوس، وبقر البطون واغتصاب النساء والأطفال ..
إن هدفهم هو الدولة بكاملها
هدفهم أن يصبحوا الحاكمين المالكين لزمام أمر الدولة
هدفهم إزاحة النظام ..
ويجب أن يدرك المسؤولون ـ وهذه ربما لا يدركونها أو يتغاضون عنها ـ أن هذه العمليات الاستباقية التي تباشرها أجهزة الأمن ومراقبة التراب الوطني رغم نجاحها ، ومع كل ما تستحقه من تنويه وإشادة بمجهوداتها الجبارة المثمرة؛ إلا أنها غير قابلة للاستمرار في التصدي وتصيد هذه الجماعات وضبطها إلى ما لا نهاية.
إن انفلات ولو جزء يسير من الإرهاب وتقوقعه في أي زاوية منعرلة داخل البلاد هو أمر يبقى محتملا جدا، وحاضرا باستمرار.. ومتى انفلت الجزء اليسير وغاب عن أعين أمننا دركنا ؛ فإنه سيظل يكبر كالسرطان لا قدر الله ، حتى يصبح قوة قادرة على المواجهة المكشوفة بفعل ما تحصل عليه مثل تلك العصابات الإجرامية والجماعات الإرهابية من إمكانيات ودعم خارجي على كل المستويات ، بما فيها الدعم البشري بالخبراء والمحاربين المرتزقة وصانعي المتفجرات وغير ذلك.. وساعتها فلا مجال لأي حديث عن الاستقرار أو الأمن او الازدهار ، إنما هو التدمير والقتل والخراب لا قدر الله .
ولذلك فإننا ـ وبكل يقين ، وبلسان كل مواطن مستشعر لمخاطر الوضع الفاسد في المغرب ، نؤكد أن السلاح الضامن لعدم وصول الحال إلى هذا المستوى الذي قد يهدد الدولة في كيانها نفسه ـ لا قدر الله ـ هو محاربة الفساد .. محاربة لا هوادة فيها، ولا عذر يقبل فيها من الفاسد المرتشي في أي مرفق كان، وخاصة في المرافق الحيوية للدولة ، كالجمارك والداخلية والقضاء..
إن جهاز الأمن يعمل بعين لا تنام، وبلا كلل ولا ملل.. وعمله قد ينجح إن شاء الله في القضاء النهائي على كل إرهابي متواجد حاليا على أرض الوطن.. ولكن لا يجب أن نعتمد على مجهوداته وحدها ونترك للآخرين الحبل على غاربه، وبعبارة صريحة واضحة: يجب ألا نترك الفساد يساهم في التسرب اليومي للإرهابيين إلى أرض الوطن، والتسريب اليومي للأسلحة والعتاد التخريبي إلى أيدي أولئك الإرهابيين.
فإذا كان جهاز الأمن يقبض اليوم على عشرة إرهابيين ، ثم يتسرب في مقابلهم إلى أرض الوطن عشرة آخرون أو أكثر أو أقل؛ فلن نصل إلى نتيجة أبدا..
الواجب توقيف تسربات الإرهابيين وتسريباتهم للأسلحة والعتاد والخبراء، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمحاربة الفساد والقضاء النهائي على ظاهرة الرشوة، حتى في قضايا الزواج والطلاق والعقوبات الزجرية للمخمورين، أو رشاوى عشرين درهما في الطريق العام أو مقابل الحصول على وثيقة، أو رشوة قارورة عطر بالديوانة من مغربي مهاجر، أو من سائح بدعوى أنه تبرع بها من تلقاء نفسه .. لا تسامح مع شيء من هذا، وبدون هذه الصرامة والشدة والمعاقبة الرادعة للآخرين، فإننا لن نستطيع أن نشعر بالاطمئنان في ظل موظفين مرتشين، يسهل بهم شق الطريق داخل البحر بواسطة أموال الرشاوى السخية لرجال حـوَّلوا مسؤولياتهم ومناصبهم الحساسة إلى وسيلة للانتفاع الشخصي والاغتناء الحرام ولو على حساب الوطن وأمن الدولة ونظامها ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1) انظر المقال : ((عملية اليوم .. الديستي تواصل قنص الدواعش في معركتها الكبرى ضد الإرهاب العابر للقارات)) . رابطه :
http://www.cawalisse.com/archive_old/101889/02/11/53/11
2) رابطه :
http://www.cawalisse.com/archive_old/101882/02/10/40/09




