عبد اللطيف مجدوب
هذه الوسائل في بعديها الوطني والدولي
لدى استقرائنا للسياسات الحكومية عبر العالم ، لا بد أن نجد لها جذورا صادرة ؛ بالدرجة الأولى ؛ من التحديات الشعبية في شكل أحداث ووقائع سوسيوقتصادية ، وفي أحيان أخرى غليان شعبي ؛ ينتهي بثورات تضع الأنظمة الحاكمة أمام محك عسير ، إما سحقها والتغاضي عنها أو رضوخها لمطالب شعوبها . وقد تتحول ؛ في حالات نادرة ؛ إلى فوضى عمياء كما وقع في ثورات الربيع العربي . بيد أن التغيير المنشود ، كثيرا ما يرتبط بدرجة الوعي ، واستيعاب الوضع السياسي القائم برمته من طرف فئات الشعب . ذلك أن النزوع إلى الفوضى والارتجالية ، كثيرا ما تتلقفه الأجهزة الحاكمة ذريعة لتدخلها العنيف والحاسم للحيلولة دون أعمال الشغب والتخريب .
لكن في السنوات الأخيرة ظهرت أشكال تلاحم شعبية جديدة ، متمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي ؛ عبر اليوتوب YouTube والفايسبوك Facebook… مكنت المجتمع من وسيلة تعبير أشد مضاء من القلم وأسطره ! إذ يكفي تمرير صورة أو شريط فيديو ؛ عبر قنوات الفايسبوك أو اليوتوب ؛ إلى أكبر فئة من المشاركين لنجد أن هذه الرسالة “Message” صارت حديث الخاص والعام ، وفي ظرف وجيز لتعقبها ؛ في الحين ؛ الدعوات تلو الدعوات بالتجمهر والتظاهر والاحتجاج والإضراب عن العمل ، وحضور المسيرات الألفية والمليونية … هذا التجييش ؛ وبهذه الصور الشعبية ؛ لم يكن متاحا من ذي قبل أو على الأقل كان بالإمكان تحريك قطاع مهني معين ؛ من خلال الوسائل التقليدية آنذاك ؛ ومن أبرزها النقابة التي طورت ؛ هي الأخرى ؛ من وسائل تواصلها مع قواعدها العمالية والمهنية ، لتتوافق مع وسائل التواصل المهني في شكل رسائل قصيرة SMS ، MMS سواء بالكلمة أو الصوت .
عولمة القضايا ( نموذج السماك فكري )
بات في مكنة هواة نوادي العالم الأزرق BLUE WORLD CLUBS ، “”Facebook “” الدفع بانتشار قضايا وأحداث ؛ عبر العالم ؛ وجعلها في درجة العولمة أو بالأحرى عولمتها Globalizing ، لتتخطى الحدود الجغرافية . وهكذا نجد يوميا ؛ عبر تصفحنا لقصاصات الأنباء ؛ عناوين لوقائع وصور تم تعميمها على سائر المواقع الإخبارية .. لقوتها أو رمزيتها أو محتواها والتي تعمل على اجتذاب القارئ/المتصفح/المشاهد ؛ كأن نقرأ ” تمرد للسود بحي وسط نيويورك ” Rebellion of some population Blacks the center of New York City ، أو ” سماك مغربي تطحنه آلة تكديس النفايات !” Grinding a Moroccan fisherman by a machine stacking waste ! .
فصورة السماك فكري تمت “عولمتها” لتفاجئ القارئ والمتصفح والمراقب ؛ على حد سواء ؛ لدى ثقافات عديدة ، لتهتز لهول وبشاعة الحادث ؛ إلى درجة أحيانا ؛ احتلالها لأعمدة أمهات الصحف والمواقع الدولية ، وبالتالي إحداث ردود فعل للمنظمات الدولية وجمعيات حقوق الإنسان .. مما يكون له صدى واسعا في ردهات اتخاذ القرارات ، وهذا ما عاينه المغاربة منذ أقل من ثلاثة أسابيع . ويتساءل المرء : هل كانت لقضية فكري أن تتخطى موقع الحادث لولا وجود كتائب العالم الأزرق ووسائل التواصل الاجتماعي ؟ نعم من المؤكد أن هذه الأخيرة هي التي حملتها إلى أنحاء المغرب ومن ثم إلى العالم ، وألصقتها بمجموعة قصاصات إخبارية ، ومقاطع الفيديو التي تحتل الصدارة في الاطلاع والتصفح لدى الإنسان القرن الواحد والعشرين . ولولاها لكان الحادث عرضيا لا يمكن أن يعيش أكثر من ساعة في رقعة جغرافية محدودة .
الرئيس الأمريكي المنتخب ترامب نموذجا آخر
من خلال تتبع الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي المنتخب ترامب ؛ من طرف الملايين من المراقبين والمتتبعين للشأن الأمريكي ؛ داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها ، ساد شعور من لدن الكثيرين بأن المترشح ترامب “ليس الرئيس المناسب” بحكم جملة من المآخذ التي تمسك بها المحللون السياسيون كمداخل لهزيمته المرتقبة ؛ خاضوا في شخصيته الكاريزمية والمتصفة “بالصلف والعنجهية” ، خاضوا في علاقاته بالنساء .. كما خاضوا في ثرواته إن كانت تخضع للضرائب أم لا .. لكن ؛ مع اقتراب موعد الاقتراع ( 8/11/2016) نشطت مكاتب استطلاعات الرأي Polls والتي تخضع ؛ في أنشطتها ؛ إلى منهجية اختيار عينات من الآراء ، فضلا عن تغذيتها بمؤشرات سوسيوقتصادية متنوعة ، وبالتالي الوقوف على حجم النقط ومقابلتها بنظيرتها لدى خصمه المترشحة هيلاري كلينتون .
تقنية استطلاعات الرأي ولى زمانها !
برأي خبراء صناعة الرأي أن طرائق استطلاعات الرأي ولى زمانها ! ولم تعد الفيصل في تقدير وتقريب نتائج الاقتراع ، وإلا لكانت كلينتون هي الفائزة ؛ تبعا لحجم نتائج الاستطلاعات التي كانت المرة تلو أخرى تصب في صالحها ، وتصور كلينتون متفوقة على غريمها ترامب بفارق يتأرجح بين 8 إلى 5 نقاط . في حين أن حملة هذا الأخير ركِبت وسائل أشد مضاء ونجاعة حينما عمد إلى تسخير كتائب وسائل التواصل الاجتماعي في أنحاء أمريكا وبين جميع شرائح الشعب الأمريكي ؛ الذي أصبح يستهلك هذه الوسائل أكثر بكثير من استهلاكه لوسائل الميديا التقليدية كالقنوات التلفزية ، والجرائد الورقية والرقمية .
تركيب مقاطع الفيديو وصناعة الرأي
بالنظر إلى التطور الهائل الذي طرأ على تقنيات الصورة والتحكم في تحريكها وتنقيلها وعزل مكوناتها ، وتركيبها .. صار الآن ؛ ومن السهولة بمكان ؛ تركيب مقاطع الفيديو صورة وصوتا ، وبتقنيات جد ذكية Smart إلى درجة لا تكاد تفصل بينها ماذا إذا كانت حقيقية أو مصطنعة . ونرى هذه التقنية شائعة تستعملها بعض الدول في حرب الصورة لتسويق رسالة سياسية أو خطاب معاد للطرف الآخر ، كما لاحظنا ذلك في حرب غزة ، والحرب على الإرهاب الإسلامي ، ومؤخرا استخدمها الرئيس الأمريكي المنتخب في حملته الانتخابية حينما عمد إلى وسائل التواصل الاجتماعي لترويج صور ومقاطع وتصريحات وهي ؛ في الأصل مفبركة ؛ بقصد التأثير على أكبر عدد من الناخبين الأمريكيين ، والتحكم في مواقفهم وآرائهم تجاه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، والمواصفات التي يجب توفرها فيه ، ولا تتوفر إلا في ترامب .




