ليس ثمة هناك مفهوم يتم تحته دون أن ينبثق عن مقاربة علمية أو فلسفية معينة، وبناءا عليه فإن الذكاء الترابي لايخلو من مقاربات كانت أرضية صلبة ينطلق منها ذات المفهوم:
إذا كانت هذه المرجعيات العلمية والفلسفية هي الأرضية الخصبة التي استنبثت منها فكرة الذكاء الترابي، فإن ثمة هناك وسائل تدعم هذا الاخير، لتجسد في شكل مقاربات تنموية إجرائية تخدم المجال الترابي،
← وسعيا نحو شرح بعض مضامين هذه المرجعيات ، فإننا نفضل التركيز على أهمها في ما يلي: (المرجعية النفعية الراغماتية- المرجعية النسقية) في مطلب اول ثم نبرز اهم اليات تفعيله في مطلب ثان
– المطلب الأول: بعض المرجعيات العلمية للذكاء الترابي ومقارباته التنموية
– أولا: بالنسبة للمرجعية النسقية للذكاء الترابي:
تهتبر المقاربة النسقية بالنسبة للذكاء الترابي إطارا مرجعيا له- كمفهوم نحت حديثا- بالرغم من الإحتفاظ بين طياته بعناصر قديمة.
إن المقاربة النسقية تعتبر إطارا للتفكير الموحد، بحيث يتم تصور أي بنية أو موضوع كنسق ( système).
ويمكن أن نختزل معنى النسق في كونه عبارة عن مجموعة مكونات تربطها علاقات تفاعلية من أجل غايات محددة ومصالح مشتركة ، ولفهم نسق معين يتعين القيام بما يلي:
– دراسة داخلية: لمجال ترابي معين
وذلك بالوقوف على مكونات العلاقة العلائقية بين العلاقات المتفاعلة داخل التراب وإبراز حدودها ومجال تقاطعها فيما يخص الغايات والمصالح وحتى الإمكانات المتاحة واحتياجاتها وإكراهاتها.
– دراسة خارجية:
بإبراز المدخلات والمخرجات بمجال ترابي معين.
– دراسة وظيفية:
بالوقوف على ما يمكن أن تقوم به مختلف مكونات النسق الترابي ضمن جهة من جهات المغرب كجهة مراكش- أسفي من أنشطة معينة متنوعة.
– تانيا : المرجعية البراغماتية للذكاء الترابي:
ومجمل القول حول البراغماتية أنها توجه أتى كرد فعل على الفكر الميتافيزيقي الذي يؤمن بالأهداف بقدر ما ينبغي حسب المرجعية أعلاه ألا نبقى كفاعلين نظريين وتأمليين ومتعلقين بالأهداف، أي يتعين التأقلم مع البيئة التي تعيشها ساكنة بلد معين بمناخها الإجتماعي والإقتصادي والسياسي والديني، إستغلالا للمقومات الثقافية المتاحة حتى يكون تفكيرا استراتيجيا وعمليا فعالا في ظبط النتائج وتمحيصها.
وهكذا، فإن الذكاء الترابي تمت مقاربته من عمق هاته المرجعية في قياس المشاريع التنموية الجهوية للمغرب، بحيث يبقى الأخذ باستراتيجية التدبير بالنتائج لا بالأهداف.
ومن تم يأتي القانونان التنظيميان للجهات أو الجماعات فضلا عن المخططات الموازية لها، حاملان بين طياتهما منطق التوظيف الاستراتيجي البراغماتي للقيم الجهوية أو المجالية المتعددة لجهة ما ضمن بقية مختلف جهات المغرب الإثنى عشر، ثم تسويقها للوطن وللخارج، مما يجعل الذكاء الترابي يتسم بخاصية الراهنية العملية المنتجة وبخاصية الفاعلية الإبداعية والتنافسية الترابية على حد سواء، وهذا ربما قد يجرنا إلى القول بالبراغماتية الجديدة لدى روتي ريتشارد، الذي يتبنى اللاتمثيلية التي هي ليست مجرد سلب لفكرة التمثل الحقيقي للواقع من زاوية معرفية أو لغوية، بل هي رؤية جديدة تستهدف التحرر من إشكالية العلاقة بين الذات والموضوع أو بين المظهر والواقع. وإنما تستهدف تزويدنا بعادات عملية تمكننا من التكيف مع الواقع والتخلي عن البعد النظري في المعرفة ووضع الإستراتيجيات التنموية.
– الفقرة الثانية: تعريف العلماء للذكاء الترابي بناء على معايير وبعض آلياته.
ليس ثمة هناك تعريف لمفهوم معين أو مصطلح ما لاينطلق من معيار معين وخلفية لصاحبها.
لذا؛ فلا بد من أن يكون للذكاء الترابي تعريفات مباشرة أو غير مباشرة تهم أو تدور حول الذكاء الترابي، إلى جانب معايير تكمن وراءها حقا التعاريف. كما أن هناك لا مناص من كون هذا الذكاء الترابي له آليات معينة ينطلق من خلالها داخل مجال ترابي معين. هذا بالرغم من عدم إنكارنا للصعوبة التي تنطلق على ذات المفهوم، نظرا لكونه مركبا من مصطلح (الذكاء) المتسم بخاصية إنسانية/ بشرية، ومفهوم (ترابي) المتسم بخاصية جغرافية.
وتبعا لذلك سوف نورد بعض التعاريف ذات الأهمية والأولوية ضمن موضوعنا هذا (أولا)، ونردفه ببيان بعض آلياته (ثانيا).
– أولا: التعاريف العلمية للذكاء الترابي وتعريفنا الشخصي له.
1- التعاريف العلمية للذكاء الترابي.
– شترون
الذكاء هو القدرة على التكيف العقلي مع الحياة ومع ظروفها الجديدة. و نشير انه قد تكون ثمة هناك ظروف دولية جديدة قد تحتم عليى الجهة بمجال من مجالاتها الترابية التأقلم العقلي التدبيري في التسويق الترابي لمنتوجها المحلي مع الحياة الإقتصادية ولو بشكل تضامني.
– جوردن
“الذكاء هو القدرة على الإستفادة من الخبرات السابقة في المشكلات الجديدة”
فالذكاء الترابي من خلال هذا التعريف هو فتح الفرصة لتلاقح التجارب السابقة بين الفاعلين العموميين والخواص للتعامل بشكل معرفي علمي جيد مع التراب.
– سؤدارد
“الذكاء هو القدرة على القيام بأوجه مختلفة من النشاط تتميز بما يلي: الصعوبة والتعقيد والتجربة والإقتصاد والإندفاع نحو الهدف والتنمية الإجتماعية وظهور الإبتكارات والإحتفاظ بهذه الأوجه من النشاط تحث ظروف تتطلب تركيز الجهد ومقاومة العوامل الإنفعالية.
اذن معناه ان الذكاء الترابي هو ممارسات حيوية لدى الفاعل وصعبة ومركزة تراعي إقتصادا ترابيا معينا والهوية القيمية المتعددة فيما بين الفاعلين لدى الجماعات الترابية سواء المنتخبين أو الإداريين أو الخواص
– كسلر
“الذكاء هو القدرة على الكلية لدى الفرد على التصرف الهادف والتفكير المنطقي والتعامل المجدي مع البيئة”
ومفاده ان الذكاء الترابي هو الذي يعقلن السلوك لدى الإنسان مع البيئة الترابية الذي يؤهل إلى تحقيق الأهداف التنموية الترابية المندمجة بمجال ترابي معين.
و اخذا بمعيار القدرة على التدبير الترابي الإقتصادي وأن روح الذكاء الترابي في المقاولات الجهوية الترابية المواطنة يمكن ان ناتي هنا بتعريف جيرارد بارديني بحيث يعد الذكاء الترابي بالنسبة اليه ذكاء إقتصاديا يحتاج غلى إلتحام المقاولات في خدمة التراب وحماية الامن الإقتصادي والتعامل مع الشبكات بشكل مندمج وتكريس الثقافة الشبكية القائمة على أساس الشراكة خدمة للصالح العام المشترك دون جعلها حكرا على سلطة تحكيمية تعينها فيغيب التعايش الذي هو عمق الغبداع والمبادرة دون نسيان المقاولات الصغرى التي تعد قلب الثروة الوطنية.”
فيما ان هناك تحديد إبتسمولوجي للذكاء الترابي ومعيارا اخر متمثل في القدرة الجماعية العلمية في الكشف عن الخبرات أو المهارات النظرية و التجريبية و ناتي بتعريف للعالم و الخبير التالي
Yann bertacchini- يان بيغتاشيني
الذكاء الترابي بالنسبة له هو قدرة ذكاء جماعي فوق تراب معين او نتيجةلاسلوب جماعي معين، وهو يعني بناء شىء علمي من والاجل بلورة منهج النمط الترابي ولايحصر الذكاء الترابي في اليقظة وإنما هو يقوم على نشر عناصر توضعية نشئة أو السباق للمخاطر والإنتقادات التي قد تصيب المجال الترابي بجهة من جهات الوطن.
ونشير هنا ان الذكاء الترابي من هذا المنظور هو مجال علمي تلتقي فيه الإعلام والتواصل والمعرفة وتترجم العلاقة “محيط- تراب” من حيث هو تمليك أو إعادة تمليك الموارد ويسمح أخيرا بطرح مشروع ترابي يحمل معنى السلم الترابي.
2- تعريفنا الشخصي المستخلص إليه بشأن الذكاء الترابي:
أمام هذا الخضم من التعاريف المباشرة أو غير المباشرة بشأن الذكاء الترابي وأمام هذا التنوع في المقاربات التي ينطلق منها العلماء والمتخصصين في تقديم تلكم التعاريف والعناصر التي ينطوي عليها، فإننا نجمع شتات تلك التعريفات الموزعة هنا وهناك بحيث نراعي فيها ما يلامس موضوعنا هذا، ويسعفنا فيما بعد في تشخيص استراتيجي لدار المنتخب ومدى عكسها لعناصر الذكاء الترابي المفاهيمية.
وبناء عليه فإننا نشير إلى أن الذكاء الترابي يتمثل في إطلاق مبادرات جماعية تستهدف التنمية المستدامة الجهوية مع إقحام روح المقاولة ضمن إستراتيجية التنمية الترابية الجهوية المندمجة وذلك لما للبعد المقاولاتي من دور كبير في تطوير الأوساط المخزنة للطاقات الإبتكارية مع إحترام الإمكانات الطبيعية لتجديد ذاتها، دون نسيان إعتماد التدبير الإستراتيجي الذكي المتبني لتقنيات الذكاء الإقتصادي، التي تؤدي إلى رسم الذكاء الترابي، لخدمة الإبتكار والإستباقية والإبداع والتسويق الترابي، جماعيا وجهويا، اهتداء إلى تنمية مجالية ترابية مندمجة في إطار جهوية تنموية متقدمة.
– ثانيا: آليات الذكاء الترابي.
وحتى لانطنب أكثر وسيعا في الإنجاز، فإننا نشير إلى أنه رغم إعتبارنا آليات الذكاء الترابي متعددة إلا أننا سنتوقف عند أهمها وأكثرها أجرأة ودلالة من الناحية النظرية والعملية معا. وذلك تبعا لمايلي
– الآليات الإعلامية و التواصل الترابي
– الالية التمويلية الميزانياتية
– الاالية المؤسساتية
– الالية التاريخية التراث و الارتياث الثقافية و الجانب الانتروبولوجي
– الاليات التعاقدية و الشراكاتية و غير ذلك
خاتمة
و اختم مقالي هذا بان الذكاء الترابي لا يمكن فهمه الا بعد استحضار البعد المجالي لفهم اعمق في مرحلة متقدمة لكل من النجابة الترابية و اليقظة الترابية في مخططات التنمية الترابية التي تجعل الوحدات الترابية نقطة مركزية في مسار اشتغالها التنموي




