بقلم : محمد حسيكي
الانسان مخلوق كوني ذو جنس بشري وذي وسط اجتماعي يفقه الحياة من التشغيل، ومن أولويات التشغيل في عصر العلوم ولوج أماكن العلم من سن الطفولة، إلى سن البلوغ درجة من التشغيل تؤهله للشغل الذي يضمن به قوته اليومي .
وإن تطورت حياة الانسان من التشغيل الأولي، إلى الشغل العملي، فإن ذلك راجع لتطور العلم من علوم نظرية إلى علوم تطبيقية، تتجلى فيها روح العمل وماديته .
وعصر ظهور الكهربة تطورت الحركة من العمل اليدوي وعرق الجبين إلى العمل الآلي المريح، ومنه خدمات وتشغيل المذياع .
المذياع :
المذياع هو جهاز الأثير السماع، الذي ظهر بالساحة الدولية وانتشر بالساحة الاجتماعية، مع استعمال الكهرباء الذي ينقل ذبذبات الصوت عبر الموجات الكهربائية، على مقاييس تقنية من الطول والقصر .
وقد انتشر تشغيله أولا بالوسط الحضري من الساحة المجتمعية، ثم تطور استخدامه عبر بطاريات الشحن بالمناطق الريفية .
والمذياع هو الجهاز الآلي الذي يقرب الخدمات الاذاعية، من المؤسسة إلى البيوت السكنية، بواسطة محطات الارسال والتوزيع والبث الهوائي عبر الجهات والمناطق القريبة والبعيدة .
ظهور المذياع :
جاء ظهور المذياع بالساحة الاجتماعية والدولية، بعد أن تطورت خدمات الصحافة الورقية، إلى صحافة سمعية عبر جهاز المذياع الذي يشتغل بالكلمة المسموعة، والصوت الرنام من الآلة والانسان .
ومن ثمة كان ظهوره من الوسط البشري بمثابة من الاعجاب، كلامه ينير العقول، من وراء نور الكهربة التي تضيء داخل الجهاز
وحين خرج إلى السوق التجارية، راح الساكنة يتهافتون على اقتنائه، والاستمتاع والأنس بخدماته، التي تقرب الجار من جاره، وترفع من سمعة رب الاسرة من وسطه المحلي والاجتماعي .
إذ عهد انتشاره تشبع الساكنة بالحرية والاستقلالية، والمشورة من الرأي بين الكبير والصغير .
التشغيل زمن الحاجة إلى الشغل :
كان سيدي الغاشي زمن ظهور جهاز المذياع بالوسط الحضري، يشتغل في طلب العلم والدراسة من المدرسة، التي ولجها زمن الهجرة من البادية إلى المدينة .
اعتمد في الدراسة على إعالة نفسه أكثر مما يصله من عون عن طريق أهله، لذلك كان حين تحل فترات العطلة المدرسية، لا يتوجه لزيارة الاسرة والعائلة، بل يقضيها في البحث عن شغل يسد به الحاجة من الطعام اليومي، إلى حين العودة إلى المطعم المدرسي.
وهكذا ذهب به البحث عن الشغل بأسواق المدينة، إلى طلب الشغل داخل سوق الدلالة العمومية لاقتناء الحاجيات المستعملة، غير ان الحرفيين تكتلوا في رمشة عين ضده، مما جعله يبتعد عن الوسط المكتظ بالمزايدات والمزاحمات، ويركن باب السوق لاستقصاء الوافدين ويعينهم على طلب الحاجة .
يعرض على كل وافد خدمته لاقتناء مذياع جيد بأفضل ثمن، وتقديم الضمان بالسهر على متابعة الخدمة من عين المكان، إلى أن يستمتع السكان ويهنأ البال .
ومن عرض خدمته على المتسوقين، وجد من الاسر الوافدة من يطلب عرض الخدمة دون مقابل ومن أجل المعرفة والخدمة الموثوقة
وهكذا توجه بهم نحو دكان لاقتناء الجديد، الذي لم يمسسه القدم وعبث الأيدي القليلة الخبرة، وحينها اقتنى لأحد الزبناء أفضل أنواع المذياع من السوق .
تحدث مع صاحب المتجر خلال عرض التجربة الصوتية للتشغيل، عن لوازم التشغيل وكيفية تركيبها من سطح البيت، وتشغيل المذياع بالبيت داخليا وخارجيا .
راح الجميع مبتهجا بالشراء، إلى أن وصل الطرفان إلى خارج السوق، حيث قبل توديع سيدي الغاشي من طرف الزبناء طلبوا منه إعادة التشغيل قبل التوجه إلى سكنهم .
حينها خاطبهم أن المذياع لا يشتغل في الشارع بل هو خاص بالبيت، وعليه أن يتوجه معهم إلى تركيبه وضبط وجهته من البث الصوتي وصواب تشغيله .
فهم الزبناء جادة صوابه وضمان الصلاح من عمله، فرحبوا بخدماته من بيتهم، معززا مكرما بالأكل والشرب الذي هو في أمس الحاجة اليومية له، مقابل الخدمة التي يقوم بها نحو تشغيل المذياع .
عشرة أيام في تشغيل المذياع :
بعد أن ثبت سيدي الغاشي خشيبات وخطوط استخدام المذياع من سطح البيت، وربط الجهاز مع الواصل الكهربائي من البيت أوشك زر المذياع فراح يشتغل بالأنس والكلام المدوي، الذي اهتزت له جنبات البيت بالأفراح ولاحت منه تباشير المرح على كل إنسان من الأهل والجيران، إذ فرحة سماع المذياع لا تضاهيها فرحة من البيت، وبعد سماع الأهازيج وقفشات من الضحك والمرح، المصحوبة بضوضاء الحاضرين بالبيت، استمتع الجميع بسماع صوت المذياع .
من الحاضرين من يبحث بنظره داخل الجهاز عن الانسان الذي يتكلم أو ينغم، ومنهم يرى ضوء الجهاز وينفث عليه كالنفث على الشمع المشتعل، لا يرون ولا يسمعون إلا عجبا ᴉ .
وبعد أن ينتهي سيدي الغاشي من تشغيل المذياع، يحول الموجة من المحطة الوطنية إلى المحطة الدولية، كي لا يدفع الفضول أي شخص من أهل البيت إلى تشغيل الجهاز من ورائه، وينقطع عنه فضل الطعام اليومي زمن العطلة المدرسية، ومن فترة إغلاق المطعمة .
لذلك كلما انتهى من التشغيل يعدهم بالعودة في اليوم الموالي لتشغيل الجهاز والاستمتاع، بعد ان ينتهوا من عملهم اليومي والركون إلى وقت الراحة والانس داخل أجواء الأسرة .
قضى سيدي الغاشي العطلة في ضيافة أناس يتلهفون شغفا، فترة وقت حضور مشغل المذياع والاستمتاع بالسماع، بينما المشغل يستمتع بالمأكل والمشرب إلى أن تنقضي العطلة المدرسية، ويسلم حينها زر المذياع إلى صاحبه ليتولى تشغيل الجهاز بنفسه، بعد انقضاء العطلة وفترة تشغيل المذياع .




