الحرب الروسية الأكرانية، أسباب النزول

بقلم : مصطفى أيتوعدي
لاشك أن هذه الحرب المباغتة لم تكن فجائية على الإطلاق، خاصة لمتتبعي السياسات العالمية و توقعات المحللين السياسيين، بل كانت متوقعة بشكل دقيق، حتى توقيتها و شكلها كان متوقعا بدقة. لكن عموم المواطنين في العالم برمته تفاجأوا بالحرب التي لم تكن في حسبانهم حتى قبل بدئها بأقل من أسبوع، فما هي الأسباب الحقيقية التي جعلت بوتين يقصف و لا يبالي؟ و ما هي خلفيات انسحاب أمريكا من دعم أوكرانيا عسكريا؟.
بداية لابد من التأكيد على أن بوتين يتمتع بحس قومي عالي المستوى، حيث أنه يسعى جاهدا لإسترجاع أمجاد الإتحاد السفياتي في كل فرصة تتاح له، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أن ضمه لجزر القرم لم يكن صدفة بل كان توطئة مباشرة للدخول إلى أوكرانيا و إرجاعها إلى حوزة القومية الروسية، إضافة إلى خطاباته المتكررة بضرورة توحيد القوى من أجل التقدم و الإزدهار في المنطقة.
لم يكن خيار التفرقة موجودا في خطط بوتين منذ توليه الحكم، لكنه كان ذكيا في اختيار توقيت التدخل العسكري لضم ما خرج عن أمجاده إبان قيام الإتحاد السفياتي، و لو بشكل غير مباشر، و كان متساهلا و متربصا باللحظة المناسبة للتدخل بأي شكل من الأشكال الذي تقتضيه المرحلة، لذلك كان انتظاره مريحا طالما أن دول ما يسمى بالإتحاد السفياتي سابقا مستقلة بذاتها، لأنه كان يراهن على الأغلبية الشعبية التي لازالت تنظر إلى روسيا كقوة إقليمية و عالمية تستلزم الإلتحاق بها.
من جهة أخرى كان الغرب متمثلا في الولايات المتحدة و حلفائها متخوفا من فقدان الصدارة العالمية، خاصة عند بروز الصين كقوة عالمية صاعدة بشكل متسارع، إضافة إلى روسيا التي تمتلك قواسم مشتركة مع الصين من حيث المبدأ السياسي، لذلك كان من البديهي أن نرى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لإلزام القوى العظمى حدها كيلا تتقدم أكثر، خاصة أن الإتحاد بين روسيا و الصين لن يرضي الولايات المتحدة و قد يعيدها للوراء، و عليه فهي تسعى جاهدة لخلق توترات في المنطقة حتى لا تتحد هذه الدول و تتصدر العالم. اتهام الولايات المتحدة الصين بالتلاعبات الجينية و صنع فيروس كورونا لم يكن صدفة بل كان بغرض تخفيض الأسهم الصينية في البورصات العالمية و تهييئ العالم لتقبل أي تدخل أمريكي بالصين، تماما بنفس الطريقة التي تدخلت بها في العراق موهمة العالم بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل و كذا تدخلها في أفغانستان و غيرها. السبب الوحيد الذي حال دون تدخل أمريكا عسكريا في الصين هو شخص ترامب الرئيس السابق الذي لم يستطع كسب تعاطف العالم، لأنه لم يكن في كثير من الأحيان يتحدث بديبلوماسية مقنعة بل كان يطغى على خرجاته الجانب اليميني المتطرف حتى وصفه بعض المحللين بالرئيس الذي مارس السياسة بلا نفاق و لم ينجح، لذلك فإن القواعد العسكرية الأمريكية التي لازالت تحاصر الصين و المنتشرة بكل من اليابان و كوريا الجنوبية و تايوان لم يكن هدفها هو الحفاظ على أمن و استقرار المنطقة بقدر ما كان هدفها هو حصار الصين بشكل غير مباشر حتى لا تتحد مع القوى الأسيوية الأخرى و روسيا، مستخدمة شعارها التدميري الكلاسيكي الذي يسميه المحللون السياسيون ب:
False flag operations
بعد فشل أمريكا في ردع الصين عن استكمال طريقها الحريري للهيمنة على الإقتصاد العالمي، جاء الدور على ضم دول الإتحاد السفياتي سابقا للناتو كي تضمن عدم توسع روسيا، الأمر الذي فطنت له هذه الأخيرة و قررت الدفاع عن أمجادها و الوقوف في وجه الغرب بقوة، مع إرسال رسالة غير مباشرة لكل دول الإتحاد السفياتي سابقا كيلا تحدو حدو أوكرانيا و تنبطح للغرب على حساب روسيا. بوتين يعلم أن انضمام أوكرانيا للناتو لن يكون لمصلحة ما بالمنطقة، بل لفرض وجود الولايات المتحدة على حدوده، و هذا من شأنه تهديد وحدته الترابية و أمنه الداخلي، لذلك سارع إلى التدخل كرد مباشر على أمريكا بأنه لن يتوانى لحظة في قصف كل من يهدد دولته و أمنها و اقتصادها.
لما تأكدت أمريكا أن الرجل لا يلعب بل ينفد وعوده التهديدية، انسحبت بشكل ناعم و اكتفت بتصريحات لا تسمن و لا تغني من جوع، و تركت أوكرانيا تواجه مصيرها دون أي دعم عسكري كما كان متوقعا، حتى الرئيس الأكراني فطن لهذا الأمر لكن الوقت كان متأخرا، فحسب جريدة واشنطن بوست فإن الولايات المتحدة عرضت على الرئيس الأوكراني تهريبه إلى أمريكا حفاظا على حياته لكنه رفض و اكتفى بالتعليق أن ما يريده هو الدعم العسكري و ليس الهروب.
إن تدخل روسيا في أوكرانيا لم يكن مستبعدا على الإطلاق، لأن تغذية الغرب لإنتماء أوكرانيا إليها و دعمها في السراء كان بهدف تمهيدها لتنضم للناتو كي يسهل على الغرب محاصرة روسيا و إخضاعها و بالتالي كسر جناحها و ضمان الصدارة العالمة للولايات المتحدة التي حسب معتقدها تحافظ على التوازنات العالمية، لكن يبدو أن روسيا كانت تمتلك المعلومات حول خطط الناتو و الولايات المتحدة، لذلك عملت في صمت على خطتها المضادة منتظرة الوقت المناسب للرد الرادع و الغير متوقع للبعض، و في الوقت ذاته يعتبر هذا الرد بمثابة رسالة للدول الأخرى كي لا تنساق وراء وعود الغرب ضد روسيا، و هكذا تصبح أرواح الأبرياء لعبة في أيدي صناع القرارات العالمية المهووسين بالصدارة.
مصطفى أيتوعدي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني