تزويج باسم

 

بقلم : محمد حسيكي

الزواج جنة الحياة واستمراريتها لدى الأحياء، من قول الله تعالى وجعلنا من كل زوجين اثنين، ومنهما تكتمل صيرورة الحياة التي جبلت عليها المخلوقات .

ومن ثمة يعتبر الزواج ميثاق حياة يخرج الفرد من حياة الفطرة إلى حياة العقل، إذ لا يعقد على المجنون حتى يعقل .

ومن الزواج صار للإنسان حقوقا وواجبات تخص الذكر والانثى من كلا الاثنين، فضلا عن العلاقة الاجتماعية التي ينبني عليها قيام الاسرة .

أسرة الحياة العتيقة :

الاسرة خلية المجتمع ونواته الحية التي تنبض بالخلف، كما يجري على الحياة العامة من الساكنة، التي تتعارف من قرب على السكينة والوقار وحسن المعاشرة والمعاملة، من قول الرسول صلعم : مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه، والجار هو عضو اجتماعي على جانب من القرابة بالسكن أو العمل، أو من معاملة يومية .

ومن وجهة هاته الأخيرة، يغلب على الساكنة بالمدن العتيقة العلاقة الأهلية القائمة على القرابة من دروب الحي والمعاملة اليومية الجارية بالسويقة الغنية الدكاكين بالحاجيات اليومية الطرية الطازجة والناضجة، فضلا عن احتوائها على المرافق العامة من فرن جماعي وحمام عمومي ومرحاض للوضوء، ومسجد للصلاة، وسقاية للماء الشروب .

ونخص من هاته المرافق فرن الحي، الذي تجمعه علاقة يومية مع الساكنة، من صاحبه سعيد، الذي يقوم بطهي الخبز، والحلويات، ومن موقعه بالسويقة، يحضر الخبز للباعة من السوق، فضلا عن طهي اللحوم للضيافة، بأنواعها من المواشي، والدواجن، والأسماك

وهذا العمل الاضافي من صاحب الفرن، مكنه من مسايرة خدماته التقليدية للحاجيات المستجدة، وتحسبا من الدور التي تراجعت عجائنها من أيدي رباة البيوت، اللواتي ابتعدن عن العمل بالبيت والاشتغال خارجه .

كان من بين المشتغلين بالفرن والمقربين إلى صاحبه، شخص باسم، وهو شاب فطري الهيئة، طليق الوجه بادي الطلعة بالبشاشة الهادئة، متميز في الخدمة، لا يكل ولا يمل ولا يعرف فترة للراحة من العمل .

وخلال خدماته المهنية، كما اكتسب ثقة مشغله بالفرن، ربح العلاقة الجيدة والمرحة من الحالة البشوشة مع الزبناء، والمطبوعة من شخصه بالفطرة السليمة .

ذاك ما كان يقدم به صاحب الفرن، الشاب باسم، إلى كل الزبناء الذين يرتبط معهم بالخدمة اليومية، حتى أن أتعاب خدمته، غير ذات بال من جانبه، الا ما كان من الاهتمام بها من والدته، التي ترعى شؤون حياته من البيت ومن العمل .

الزبونة الودودة :

دأب صاحب الفرن يشتغل ويقدم خدماته للعموم، كبارا وصغارا ذكورا وإناثا، وتميز من العموم سيدة تدعى أدمية، شخصية مكتملة النضج والمروءة، وعلى مستوى لائق من العمل والمعرفة في سلك التعليم، فقدت زوجها، وهي لازالت في سن الزواج، وتشتغل في بيتها بانتظام وروية، كما تشتغل في مؤسسة عملها، وكلما غذت بالذهاب إلى واجبها اليومي، تمر على الفرن لوضع الخبز من مكان الطهي .

وهي من الزبناء الذين يتعارفون حق المعرفة، مع صاحب الفرن والمستخدمين به، لكن ما أصبح يخامر ذهنها هو ذاك الانسان الوديع الخالي الذهن من كل غدوة ورواح .

راحت السيدة أدمية من اهتمامها لحاله، تتقصى المعرف عن أحواله، هل به مرض ᴉ من الجسم أو النفس، أو به حاجة من الحوج، أم أن فطرته من حياة الأمومة، تغلق منافذ عقله . .

وبعد أن حصلت على سلامة شخصه العقلية من المعطيات المتعلقة من صاحب الفرن، تقدمت عند والدته التي رحبت بها من البيت، وربطت معها علاقة من الصداقة، أكثر مما هي علاقة حاجة في نفسها، سمحت لها من قرب معرفة الانسان الذي أخذ باهتمامها من عقر داره، ومن غير وصاية عليه، خرجت باستنتاج أن الشخص سليم الفطرة والعقل، وأن تربيته على الفطرة من غير قراءة ولا كتابة، أبقته على حاله من الفطرة التي هو منفطر عليها .

عندها فاتحت السيدة أدمية الأم وردية، في شأن الزواج من ابنها، كما فاتحت الشخص بعينه، والذي خاطبها قولا : ألم تسمعي قول من يقولون أحمق وبالضحك يضحك ᴉ فأجابته جوابها، جئتك من أجل أن تسترد عقلك، وترد عليهم حماقتهم، ….. فقال : واختاه….. سمعتك وما قالت أماه ҁ …. فكان في تلك المحاورة بين الاثنين، موافقة على الزواج .

تشغيل الزوج :

كانت السيدة أدمية، إنسانة طيبة السمعة والخلق، من وسط تلامذتها وأسرة المؤسسة التشغيلية بها، الكل بارك لها الحياة الجديدة من بناء بيت الزوجية التي أخذت فيها المبادرة من نفسها .

أما الزوج باسم، فقد وجد راحة في الزواج، الذي خفف عنه تعب الخبازة، وحرارة الفرن، وأطباق اللحم التي أفقدته حاسة الشم من غير أكل، بعد أن أقعدته الزوجة عن متابعة الخدمة من الفرن .

وما لبثت الزوجة من سعيها وحسن سمعتها، أن وجدت لزوجها شغلا للقيام بالحراسة، من بوابة المؤسسة التي تشتغل بها، وبذلك اكتمل الهناء والتهنئة لهما بالحياة الرشيدة من العقل .

المفارقة التشغيلية :

كان للشاب باسم من خدماته بالفرن صدى مدوي على الألسن، وحين غيابه احس صاحب الفرن بفراغ ذا أثر، على الخدمة وصدق الثقة والمعاملة البريئة .

إذ صار سعيد، يخفي عن المتابعين زواجه وانقطاعه عن العمل، الذي جاء لدواعي عائلية، وأنه اشتغل طوعا وفارق العمل طوعا، ليس من أجل المال أو غضب عن العمل، وإنما استرد عقله وفضل الحياة بين أهله وذويه .

وبالمصادفة وبينما اتسوق يوما من سويقة الحي، فإذ به يقابلني بالنظر، وهو في هيئة جديدة غير هيئة الاشتغال التي عهدته بها من الفرن، تشابه علي من الرؤية، وقبل أن يبتعد، … خاطبته ألا زلت لم تشتغل، فتوقف، …. ثم ترجلت عنده، في أي مكان أنت ياالهبيل،،،،، فأجاب أنا ما بقيت ذاك الاحمق .

وكيف،،، أنا وليت متزوج وخدام ومن الزواج رجع إلي العقل، هذا ما ربحت يا خبز الطبق، من فران الحومة، فضحك باسم : وقال كنت طاهي خبز إلى أن وجدت طاهية عقل، فقلت له، هنيئا لك، ولوالدتك، ولزوجتك، وإن لك من الزواج عقلا .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني