بقلم : محمد حسيكي
ينسب الفطور إلى النظام الغذائي الذي تعيش عليه البشرية، وهو بعد اليقظة الوجبة الأولى التي يفتتح بها الانسان قوته اليومي، ويجري وقته بالفترة الصباحية من اليوم الشمسي، الذي يبتدئ نهاره من الوجهة الدينية من آذان الصبح، وينتهي عند آذان المغرب .
بينما الفطور من الوجهة الدينية في رمضان، يجري بعد صوم النهار ودخول الوقت الفضائي المجال الارضي بعد غروب الشمس، ويمتد الصوم والفطور منه، لفترة شهر قمري من العام الهجري في الدين الاسلامي .
رمضان :
هو شهر الصوم أحد أركان الاسلام، يصوم فيه المسلم يومه من المدار الضوئي، والصوم عبادة، قائمة على تطهير الجسم والنفس بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع طيلة النهار، من انبلاج ضوء الصبح نهارا، إلى غروب الشمس من بداية وقت الليل، حيث يحل وقت الإفطار اليومي، بالأكل إلى وقت السحر، وهو هجيع الليل من الفجر إلى الصبح .
ومن الحياة العامة، يعرف الفطور من بداية اليوم الضوئي، بينما يعرف من الوجهة الدينية إلى مغيب الشمس وجهة استهلال اليوم الفضائي، الذي يستوجب منه الإفطار بعد الصوم .
التغذية من رمضان :
التغذية في رمضان لدى المسلم، تبتدئ من إحلال المدار الفضائي من غياب المدار الشمسي، من اليوم الضوئي، طيلة شهر قمري، يقضيه عبادة بالصوم والصلاة، والزكاة المقرونة باستهلال هلال العيد .
وما يميز شهر الصوم من التغذية، وجبة السحور للصوم، ووجبة الفطور منه، بعد غروب الشمس . وهو الجانب التالي من الموضوع
فطور رمضان :
نبسط الموضوع من الحياة الأسرية بالوسط الاجتماعي، كما نعيشه مع الأهل من وقت وجوب الصوم، وكيف تطورت وجبة الفطور الرمضاني لدى أسرة المجتمع، وانعكاساتها المادية والصحية على حياة الفرد .
الفطور في كنف الوالدين :
خلال شهر رمضان كنا نقضي شهر الصوم في أجواء دينية على النهج المتبع قدوة بالوالدين، إذ نتوجه بعد العصر إلى المسجد الكبير بالحي، لحضور الدرس الديني الذي يلقى من كرسي المسجد، من طرف عضو بالمجلس العلمي .
بعد ذلك نعود إلى البيت، حيث الام تكون منشغلة في إعداد الفطور، ثم نهم بالخروج بعد تجديد الوضوء، إلى مسجد الدرب لأداء صلاة المغرب، حيث يوجد إلى جانب الباب أحد المحسنين، وبيده كلغ من التمر خاص بالمصلين، يناول منه كل شخص أقبل على دخول المسجد تمرتين، للتحلية بعد آذان صلاة المغرب .
وجبة الفطور :
بعد أداء صلاة المغرب والعودة إلى البيت، تجتمع الأسرة على مائدة الفطور، وتتكون الوجبة من حساء رمضاني غني بالبقوليات والقطاني، مع تمرات لا تتعدى عدد أصابع اليد لكل فرد، باستثناء شهر رمضان الموافق لموسم البلح، حيث الطبق ممتلئ ومن العرض يقدم الخير نفسه للجميع .
وحين ننتهي من الحساء، يعقب ذلك إحضار أواني مناولة شرب أكواب من القهوة بالحليب .
بعد التفرغ من الافطار، ننتظر آذان صلاة العشاء والتراويح الرمضانية، حيث تهيئ الاسرة وجبة العشاء، باستثناء الوالد الذي يكتفي بالفطور، والسحور، الذي يغلب عليه خمائر طرية، وسط صحن محفوف الجوانب من زيت الزيتون، مع كوبين من الشاي، وقليل من حساء الفطور .
أما سبائك الحلوى الشبكية، فلا يجري تناولها من الساكنة إلا ليلة الفضيلة من منتصف شهر رمضان، وراء طبق الدجاج من وجبة العشاء .
وكذلك يوم ليلة القدر المباركة، حيث يتم إعداد صحن من الكسكس، لفائدة المصلين بالمسجد من وقت التراويح، وصحن من الدجاج للأسرة مع طبق من الحلوى الشبكية .
ذلك ما كان عليه حال التغذية من فطور رمضان أواخر الستينات من القرن العشرين بالمدن العتيقة .
وقع التغذية على الصحة :
الصوم من الوجهة الصحية، يشفط الربب من الذات، ويقوي نفسية الجسم، إذ ينفض المعلقات والرواسب الباطنية، كما تنفض الأشجار الخريفية أوراقها وتجدد اكتسائها .
ذلك ما كان يتجلى على الصحة العامة للصائمين، حيث يتراجع الوزن، وتستريح العضلات خفة من حمل الثقل الزائد عن البنية، والاحساس بالصوم خلال العشر الأواخر من رمضان، حيث ينشد المتقدمون في سن الصوم، أن يصوموا الشهر بكامل أيامه، وقضاء المقتضيات بعد يوم العيد .
اما الزيادة العامة في الوزن من الجسم، فلا تظهر عينا على الحالة الشخصية للمسلم، إلا خلال عيد الأضحى المبارك .
تطور الفطور الرمضاني :
يعكس تطور نظام الفطور الرمضاني، التطور في دخل الفرد بالمجتمع، الذي تحول من دخل ادخار، إلى دخل استهلاك، ومن دخل كان مقتصرا على رب الاسرة، إلى دخل تكميلي من ربة البيت، مما أغنى المائدة الرمضانية بالمنتوجات الغذائية، المسوقة من خارج البيت .
هذا فضلا عن الانفتاح الغذائي بالمجتمع، على منتوجات نوعية واردة من الساحة الدولية، والتي تطفو بالعرض والأطباق بالأسواق، ومتاجر التموين للمواد الغذائية .
ومن هذا القبيل، لا سبيل للمقارنة بين ماض ترعرع فيه الانسان مع والديه، إذ كان الوالد يكد العيش من عرق الجبين اليومي، وبين حاضر يعيش فيه المرء من خدمات يحكمها قانون المالية للمؤسسة .
وتبعا لهذا التطور في الحياة الاجتماعية والفردية، تجد العائلة المغربية من وجبة الفطور الرمضانية، تحيط مجتمعة حول مائدة دسمة حلوة، فيها ما تشتهي الأنفس وتخطف أنظار الأعين .
فهناك الحساء المغربي من بقوليات وقطنيات، أو حساء طحين اللين المسمى لسانيا إيلاين، فضلا عن شربة خضر،- مستسقاة الطهي من نظام التغذية الاوربية- إلى جانب تحضيرات متنوعة من التمور والتين، والبيض، وسبائك الحلويات المخرقة والمعسلة، ومكعبات المقرط وكذا اللفائف من نوعية : Le cigare والعجائن المورقة المحشوة بمسحوق الفواكه الجافة، أو الخضر وأقراط الدواجن، أو مفروم اللحم، وطحين زميتة سليل(ه) دسم محمر مخلوط بطحين الفواكه الجافة، علاوة على تحضيرات – البيتزا : pizza- معشوقة الأطفال، ورقائق البغر والملوي ومشارب باردة من فواكه طرية، زيادة على فناجين القهوة وأكواب شاي مختلفة الأذواق .
ومما يزيد الفطور الرمضاني ثقلا، أن هناك من يضفي على منوعات مائدة الفطور وجبة عشاء من وصلة سمك، في شهر كريم من أهل الكرم، وهو من سابغ النعم، وصادق القول من الله تعالى: كلوا واشربوا ولا تسرفوا، إن الله لا يحب المسرفين .
وأمام هذا الغنى الرمضاني في التغذية من وسط الاسرة المغربية، ترى العيادات الطبية غاصة بالأشخاص الذين يشتكون من أمراض المعدة وعسر الهضم، والسكري، وارتفاع نسبة الدهون في الدم، والضغط الدموي المرتفع، لمراجعة الاعطاب الصحية مع الطبيب، ومعاناتهم من الأعراض الشخصية المرتبطة بأمراض البطن، والشهية المفرطة في خلط الطعام .
ومن هذا التكدس الغذائي تجد الأشخاص الذين لم تمسسهم إصابة بالأعراض، يعانون من زيادة في الوزن من وفرة الدسومة والسكريات في التغذية، مما يجعل أطباء التغذية يحذرون من تبعات أخطار تناول وجبات مائدة الشهية الرمضانية، وهي أثقل بالعشرات من وجبة فطائر العيد، والتي تستمر شهرا كاملا، لا يتغير منها شيء من أول الشهر إلى آخره، وجبة واحدة تتكرر من الشكل والمضمون لثلاثين يوما وهي قاسية التكرار على الذات، مما يكون لها انعكاس سلبي على الصحة الفردية .
ما قبل صوم رمضان :
قبل حلول شهر رمضان يزداد هم ربة البيت، كيف تقضي الصوم مع أبنائها وجيرانها، حيث تتوجه إلى السوق بنفسها لاقتناء الحاجيات، من أواني وسلع ومحضرات استعدادا للشهر الفضيل .
أما من جهتي فإنني أتوجه نحو عيادة الطبيب، لأطرح عليه كيف يمكنني أن أصوم دون مشاكل في التغذية مع الأكل فوق العادة، وليس مع الصوم .
وبعد الفحوصات الباطنية، والاستفسارات الشفوية، أرشدني الطبيب دون إعداد وصفة، بأن أبتعد عن السكريات، والمملحات، والذهنيات، والحوامض المغذية، والأجدى نفعا أن لا نغير نظام الفطور كما هو عليه الحال في الافطار، وأن اترك الأجواء الأسرية كما هي، ونتبع الفطور دون غوص في المائدة، وعند العشاء قليل من كثير، ومن السحور تجنب المأكولات التي تمتص الماء بالذات وتدخل العطش على الجسم .
عندها خرجت من الزيارة والفحص المسبق بقناعة، أن خدمات الطبيب خير من العلاج .
ما قبل الفطور :
المغاربة معروفون بالكرم وحسن الضيافة، ومن ثمة يباركون لبعضهم، رمضان كريم، ويعتبرونه ضيفا من شتاء أو صيف، وولي نعمة من الكرم، حيث مائدة الفطور غنية بالأكلات من كل ما لذ وطاب، تجعل عددا من الأفراد يفكرون كيف يتعاملون بالبطن، مع غنى طاولة الافطار الدسومة والمرتفعة السعرات الحرارية، لذلك تنشط بالوسط العمومي خلال الشهر الكريم، الأنشطة الرياضية من رمضان، حيث الشباب يمارسون الجري من مدارات فسيحة، وكرة القدم من ملاعب القرب المتواجدة من ساحات الأحياء، والكبار يمارسون رياضة المشي على الأقدام بالمنتزهات الحضرية، لحرق الدهون وتنشيط الدورة الدموية والأمعاء التي ترتاح نهارا وتشتغل ليلا من فائض الوجبات الجديدة الوصفات .
وهكذا بدل أن يساهم الصوم في تخفيف الوزن ويقظة النفس، ترى المرء يزدرد أكلا، ويزداد وزنا، إن لم يصاب بأعراض اليد الطويلة بالمائدة، وتعتل صحته من المعدة، يعرض صحته لا قدر الله إلى أمراض أخرى تنحو نحو المزمنة، التي لا تفارق الذات ولا الأدوية .
مائدة الإحسان من رمضان :
من فائض كرم المغاربة بالبيت، خرج الطعام إلى الفضاء العام، للمغترب، كالجائل الأجنبي، والمسافر العابر السبيل، ومن يضيق عليه العمل الوقت دون مجال لإعداد الفطور . كالعزاب أو رواد المطاعم .
لذلك انتشرت في البلاد عملية الافطار الرمضانية، تطور السهر التنظيمي عليها من يد المحسنين ومتطوعين، إلى جمعيات مهنية من مستوى رائد في التنظيم، لعملية الافطار من فضاءات رحبة تقصدها أسر وعائلات، وتشرفها من أوقاتها الخاصة رفقة أسرها شخصيات رسمية وإدارية ومنتخبة ترفع من أجواء الاهتمام بالعموم، والتي سحرت كثيرا من الأسر وشجعتها على الخروج من المنزل، وتناول الوجبة من وسط اجتماعي عام، يحس فيه الصائم من خلال عملية الافطار، أنه في وسط اجتماعي من منظور عائلي متجانس من رجاله ونسائه.
ومن هاته الأجواء الحميمية، التي تجمع الأسر من البيت ومن الفضاءات العامة، حول مائدة الفطور الرمضانية، ترى المجتمع يتجدد ويجدد، مما يزيد حياته نظارة ورقيا وإنسانية محورها الايمان والاحسان .







