الغش في امتحانات الباكالوريا.. أي مقاربة للتصدي؟!

عبدالله أطويل

سيصاب بعميق الأسى كل من تأمل في احصائيات عدد حالات الغش المضبوطة خلال امتحانات نيل شهادة الباكالوريا، سواء المضبوطين من طرف لجان المراقبة خلال الاجراء، أو آخرون يتم ضبطهم إبان عملية تصحيح أوراق تحرير المترشحين من طرف لجان التصحيح، بتطبيق مقتضيات المادة 123 من تنظيم مساطر امتحانات الباكالوريا، أو عملا بالقانون 13-02، المتعلق بزجر الغش. العدد الكبير لحالات الغش، يستوقف كل دي عقل سليم، بل يدعو لضرورة التفكير الجدي في أسباب استفحال الظاهرة لمواصلة بحث سبل التصدي لها. أما نتائج الغش وعواقبه فلا أخمن أن تكون خفية على أحد. الخوض في تحرير كلمات هذا المقال يدفعنا لطرح بعض الأسئلة منها الاستنكاري وضمنها الاستفهامي، وقد نكون في غنى عن انتظار أجوبة لها. من قبيل ما هي الأسباب التي تنهض خلف تفشي هذه الظاهرة سنة بعد أخرى؟ ما موقع المناهج والبرامج التعليمية من ذلك؟ ما مدى إمكانية تأثير طرائق التدريس في الظاهرة بشكل أو بآخر؟ وبمعنى أدق هل آن الأوان لإعادة النظر في أساليب التقويم؟ سنطرح الأسئلة تلو الأسئلة ونعود لطرح الأسئلة. لكن ما جدوى طرح الأسئلة ونحن لا ننتظر أجوبة؟ بل الغاية المتوخاة هي الأجرأة الفعلية بعيدا عن التنظير، بمعنى آخر فتح باب العلاج بعد تشخيص السقم.

لو أردناه في بادئ دي بدئ حديثا عن تاريخ وكرونولوجيا الغش في الامتحانات، سنلمس التطور الرهيب الذي عرفته الظاهرة. قبل سنوات خلت كان أقصى ما في الغش تبادل أجوبة شفهية بأصوات لا تغدو عن الهمز واللمز، بين المترشحين بصوت يكاد يكون غير مسموع وقسمات تعتليها الحشمة والخشية من نظرة المراقبين. ثم تطورت إلى كتابة مخطوطات ومحتويات معرفية بشكل مصغر جذا على قطع من قراطيس، كان معروف بين العامة باسم “التكوفيشة” أو “الحرازات”، وأحيانا كتابة عبارت بالحبر على كف اليد. إلا أن هذه الطرق اليوم أصبحت ضرب من الجاهلية، بل لم يعد ينظر إليها من الركن نفسه، وقد يكون من غير المبالغة إن قلنا أن الأحاديث الشفهية لم تعد غشا في قاموس عامة الناس، مقارنة بالغش التكنولوجي الذي قطع أشواطا مهمة في أساليب الاحتيال والتمويه ووسائل التدليس والتحايل على المكلفين بالحراسة.
إذا كان مجموعة من التلاميذ يبدلون قصارى ما بوسعهم من جهود وهم يجِدُّون ويكدون متابرين خلال السنة كلها. في المقابل الأمر غير ذلك عند مجموعة أخرى تحطم الارقام القياسية في ساعات الغياب والتكاسل والتصكع في الحواري والأزقة طوال السنة الدراسية، لتختار الطريق الأقصر للنجاح. إذ ان هؤلاء يعدون عدتهم قبيل الامتحانات، عتادهم أساسا يتمثل في شرائح متطورة عبارة عن سماعات دقيقة غير مربوطة بالهاتف، تزرع داخل الأدن، يصعب على المكلف بالمراقبة ضبطها، وفي احيايين كثيرة يمكن حتى للجهاز الرنيني الكاشف أن يخطئ رصدها. إضافة الى هاتف ذكي مربوط بالانترنت. وقدرة سيكولوجية على مراوغة وتضليل لجان المكلفون بالمراقبة، مرفوقة بنظرات ثعلبية. الأدوات الالكترونية المستعملة في حد ذاتها زادت في استفحال الظاهرة، فطرق الغش تطورت بشكل رهيب، الشيء الذي لم تتطور معه طرق منع الغش. حديثنا هنا بالأساس هو تأكيدنا على أنه لا يمكن مواجهة التكنولوجيا إلا بالتكنولوجيا، فصدق ويل جيمس حين قالها. فتخيل أنك في حرب ضروس مع خصم يواجهك بتقنيات تكنولوجية حديثة، وأنت تقف له بذخيرة وسلاح كلاسيكيين. الجهاز اليدوي الكاشف المعتمد من الجهات الوصية، له أهمية كبيرة وبه يتم ضبط جل الحالات. لكن الوضع اليوم يمكن أن نقول أنه تجاوزه بل بات يتطلب تقنيات أخرى وعمليات دقيقة، كأجهزة تشويش أو قطع الاتصالات بمراكز الإمتحانات، وغيرها من التقنيات.
إدا كان بوريو ومن معه من علماء الاجتماع، يفسرون سلوكات ونفسيات الشخص بتأترها بكل ما هو اجتماعي وتربوي وما يكسبه الفرد ويعيشه في مجتمعه، وباعتبار أن المدرسة مجمتع مصغر، وهذا معروف لدى السادة التربويون. فالموضوع لو أردنا له رابطا اجتماعيا، لقلنا أن الغش نابع في أساسه من منبع سوسيولوجي صرف. كيف نسترغب لغش التلميذ؟ ونعلم غش التاجر وتماطل المسؤول، وتلاعب الجزار، وغش الطبيب، والمهندس والخياط واللائحة تطول. أما لو أردنا النظر للأمر من الزاوية التربوية على غرار الراسخون في العلم والمؤلفة قلوبهم على البرامج والمناهج. فالأمر سيكون بالأهمية بما كان، لو نظرت لأغلب التقويمات لوجدتها في جلها تعتمد استرجاع المعلومات، وتعتمد في أساسها الحفظ. خصوصا الحفظ الكمي للمعلومات قصد تجشؤها محبرة في أوراق التحرير، مع تغييب أو تقزيم للمهارات المرتبطة بالذكاء ومعالجة الوضعيات بطرق مهارية وعقلية صرفة، رغم المقاربات المعتدة في التدريس التي تستهدف الكفايات. أما عن دور الإعلام، فلا نرى في إعلام الصحافة الصفراء اللاهتة خلف نسب المشاهذات، إلا سببا من أسباب أخرى تفسد من حيث أرادت أن تصلح. حين يتم الترويج لمقاطع على قنوات وحدها من تنعث نفسها بالإعلام، مراسلوها لا تربطهم بمهنة الصحافة رابطة، يتربصون بمكروفونات أمام أبواب المؤسسات وينتقون عينات من تلاميذ لا تعكس حقيقة التلميذ المغربي المجد. والغريب في الأمر أن هؤلاء المقاطع يتم نشرها وهي في حذ نفسها تشجيع، بل تطبيع مع الغش، وأحيانا سيبدو للأسر على أنه حق وليس أمر محضور.

عواقب الغش غير مستقرة في الزمان، بل هي عواقب ترخي بضلالها على مجتمع الغذ، مثل الاورام السرطانية التي تنخر الجسم من عضو لآخر. متجاوزة موضوع الباكالوريا بذاته، بل تعلو خارج حقل التربية والتعليم لحقول الحياة كلها، حين تؤثر في المجتمع وتفرمل نموه بين الأمم والأوطان. فلنتخيل، ولو جدلا، أن ينجح مرشح بالغش، وإن كان نجاح بميزة غشاش، فغشه هذا، يجعل مناصب ومسؤوليات الغذ ستعطى لغشاشين. زد على ذلك وضع الكليات والمعاهد الجامعية اليوم، فلا حرج أن تجد بكلية طب طالب لا يجيد اللغة التي يدرس بها رغم معدلاته المرتفعة، وآخر في سلك الماستر ويعتمد الغش في امتحاناته. بالإضافة على التأثير في المدارس التي تعتمد عتبات الانتقاء، فقد يحصل أن يتسرب غشاش لشغل مقعد كان من أساسه مخصص لدو كفاءة.

بالمختصر المفيد، اليوم نحن أمام معضلة حقيقية تضرب مصداقية الشواهد في مقتل، فلا بد من اعتماد مقاربات حاسمة للقطع مع الظاهرة. لا بد من تعزيز الترسانة القانونية Arsenal Juridique للضرب بيد من حديد على كل من تورط. كما نتوخى ممن بيدهم القرار فتح تحقيقات للوصول إلى عش الدبابير، لأنه هناك مافيات تسترزق من هذه الاستحقاقات، وتخذش صورة وطن، من المروجين للأجهزة الإلكترونية إلى من يعرضون أجوبة للامتحانات خلال يوم الامتحانات. وذلك إلى جانب إعادة النظر في البرامج والمناهج، ومن تم خلق الثورة المرغوبة في طرق التقويم التربوي، بشكل يتماشى مع الزمن الحالي. وتجاوز الأنماط التقليدية التي تجاوزها الزمن. على أبواب أحد كليات تكوين الأساتذة بلندن كُتبت عبارة “خطأ الطبيب يدفن في الأرض وخطأ المهندس يقع على الأرض لكن خطأ الأستاذ يمشي على الأرض”، مقولة تعكس حرص قائليها عن مجتمع غدهم. لا نريد اليوم تلميذ ناجح، بقدر ما نطمح غذا لإنسان ناجح. فمن يقلل اليوم من خطورة الغش في الامتحانات، فلينتظر غذا غش الطبيب، والمهندس والفلاح والوزير والأستاذ..، فالغد لناظره قريب. إذاك لم يعد بوسعك من الأمر شيء سوى ضرب الأخماس في الأسداس، حين تكون قد جنت على أهلها براقش.

بقلم عبدالله أطويل أستاذ وباحث تربوي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني