القياس بالمردودية.. هي يمكن ذلك؟

كمتتبعين لما يروج من نقاش داخل الأوساط التعليمية ،يثيرنا موضوع يندرج في اطار ما يتم حاليا من نقاش حول تقييم مردودية السادة الأساتذة ، وهو مرتبط أساسا ببروز إشارات مجهولة المصدر حول اشراك جمعيات الآباء والأمهات في تقييم عمل الاساتذة داخل المؤسسات التعليمية ، هاته الاشارات لم تخرج للعلن بشكل رسمي من خلال تصريح مسؤول معلوم الهوية، أو من خلال الوثائق الرسمية لوزارة التربية الوطنية وبالتالي فالتعامل معها يبقى على أساس أنها مجرد اشاعة، لكن هذا لا يمنع من التفاعل مع هاته الفكرة باعتبارها شأنا تربويا قد يتحول لحقيقة ما لم يأخذ حقه في النقاش والتفاعل.
إن هاته العملية لا تعدو أن تكون مجرد محاولة لزيادة ضغط إضافي على الأساتذة اعتقادا أن الرفع من مردوديتهم يمر عبر الزيادة في الضغط عليهم من خلال ربط أرزاقهم بانطباعات المحيط حول ما يقدمونه داخل فصولهم وداخل مؤسساتهم ككل.
في الحقيقة يعتبر هذا الطرح طرحا مجانبا للصواب لأن تحقيق المردودية كما أجمعت عليه كل نظريات تدبير الموارد البشرية مرتبط أساسا بالتحفيز والاعتراف ومدى تحقيق الشروط التي تحقق الحاجات K في حين أن هذا الاقتراح يعتبر تهربا من المسؤولية وما يترتب عنها من ضمان لحقوق الموظفين عبر التأسيس لمعايير عادلة يتم قياسها داخليا، باعتبار أن المؤسسة استمرار للبناء المؤسساتي الذي يعرفه المغرب، إن الحديث عن ربط ترقية الأساتذة بجمعيات الآباء والأمهات هو إعادة للبناء المؤسساتي في هذا الوطن لحقبة “الشرط” والتي تأخذ فيها القبيلة دور المقرر في مصير الامام برفضه او قبول استمراريته، وذلك بناء على معايير أقل ما يقال عنها أنها معايير خارج المعقول لأنها مرتبطة بانطباعات مبنية على مدى الاستجابة لأهواء الأفراد(المؤثرين في القبيلة أو الجمعية)، وهذا ما ينذر بانحراف جديد للمنظومة التعليمية من خلال جعل كل ما يقدم داخل المؤسسات مرتبطا بتلبية أهواء أشخاص بعينهم عوض الالتزام بثنائية الحق والواجب التي تحددها الضوابط المرتبطة بالمنهاج .
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اللغط حول الاليات والوسائل التي يمكن من خلالها قياس مردودية الموظفين العاملين بقطاع التعليم، النقاشات الدائرة اليوم في إطار جولات الحوار حول إخراج نظام أساسي جديد لموظفي التعليم كانعكاس للإرادة الحكومية بتوجهها الليبرالي ،والتي تبتغي ربط ترقية الموظفين بالمردودية التي يقدمونها عبر قياس مردوديتهم ، عكس ما كان معمولا بها سابقا باعتماد معيار الاقدمية باعتباره معيارا منصفا للموظف يمكن معه استدراك الترقية نظرا لغياب نظام تقييم يعتمد على الكفاءة والتميز، على اعتبار أن الامتحانات المهنية ونمط الامتحان و طرق التصحيح والكوطا المخصصة لا تتيح تكافؤ الفرص بين المترشحين ولا تتيح التعبير عن تميزهم ، لدرجة أن الاعتقاد السائد لدى الموظفين اصبح يزكي مقولة: “داكشي بالمكتاب” ، أي أن ما يتم تقديمه على الارض مرتبط بالحلول التي تأتي من السماء ،لعدم جدوى ما يتم القيام به على الميدان لأنه غير مرتبط بمعايير تراعي مبدأ تكافؤ الفرص. ولذلك اصبح من الواجب البحث عن أساليب جديدة تمكن من استعادة الأمل في العدالة الوظيفية باعتبارها مدخلا لتحقيق أهداف الوزارة ومنها غايات الدولة المغربية.
إن ما أثير حول اعتماد التكوينات كآلية يتم من خلالها قياس مردودية الموظفين هو أمر فيه نوع من التجني على اعتبار أن التكوينات هي حق للموظف يبتغي من خلالها هذا الاخير تطوير آليات ووسائل اشتغاله وفق ما تتطلبه وظيفته وما تعرفه من تطورات، وهنا يأتي دور الوزارة الوصية في تحديد التكوينات التي يمكن ان تنمي مردودية الموظف وتطور وسائل عمله من طرق وبيداغوجيات .
لذلك فالتكوينات لا يتدخل فيها الموظف فهو مجرد مفعول به يستجيب ويتفاعل مع ما يتم عرضه عليه من تكوينات، وفق رزنامة تحددها مصالح الوزارة جهويا وإقليميا، وبالتالي فالحديث عن المردودية هنا لا يستقيم دون قياس أثر هاته التكوينات على مستوى الممارسة المهنية اليومية، مما سيعيدنا الى الأساليب القديمة لقياس المردودية والمرتبطة بزيارات التفتيش والافتحاص وما يمكن ان تحمله من مزاجية وانطباعات غير علمية من أجل قياس تنزيل التكوينات.
لذلك يبقى الحل الوحيد لقياس مردودية الموظفين داخل القطاع والمعمول به في العديد من التجارب الرائدة هو اعتماد نظام تقييم تصاعدي/تنازلي، نظام يمنح فيه الأستاذ نقطة لمديره والمدير لرئيسه المباشر تصاعديا، على أن يتم نفس الأمر تنازليا، بمعنى أن التقييم يمكن أن يأخذ وجهين : وجه يكون فيه الموظف خاضعا لتقييم رئيسه المباشر ،ووجه آخر يكون فيه الموظف مقوما لعمل رئيسه المباشر -وليس اعتماد جمعيات آباء وأولياء التلاميذ في تقييم مردودية الأستاذ مع احترامنا الشديد لأعضائها-.
هنا يمكن القول أن التقييم اصبح تقييما عادلا كاشفا للثغرات التدبيرية والمهنية التي يمكن الاستفادة منها في إطار تجويد خدمات المنظومة في اتجاه تحقيق الجودة المنشودة. لكن هذا النموذج من التقييم يستوجب أولا بناء علاقات مهنية أساسها احترام المهام والاختصاصات بعيدا عن الابتزاز والتضييق.

 ذ.مودنان مروان
 أستاذ الثانوي التأهيلي.
 عضو الاتحاد الدولي للغة العربية.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني