بقلم : محمد حسيكي
تعرف بالحدث التاريخي المحتفى به، تكريما وطنيا للملك وللشعب، والذي يحييه المغرب من ذكرى سنوية، تحل في العشرين من غشت، منذ نهاية سلطة الحماية وحصول المغرب على الاستقلال سنة 1956م، يجري الاحتفال بها في إطار رسمي واجتماعي، تزينه الأعلام الوطنية، والصور الملكية، ولافتات التهاني والتأييد، إلى جانب ألوان من الكتابات الضوئية تعبر بالأفراح وتتوسط أنوار الشارع الليلية، تزين وتتراقص بالأضواء من فضاءات المدن ونفورات الساحات العمومية، إحياء للذكرى التي تحولت من يوم غضبة الملك والشعب من تصرفات سلطة الحماية، إلى يوم فرحة الملك والشعب من الحصول على الاستقلال، والمكانة من السياسة الدولية . .
ومن هذا الحدث التاريخي، الذي خرج من شخصية الملك إلى ذاكرة المجتمع، تحول المخاض الاجتماعي إلى فرحة عامة اتخذ لها الملك والشعب، تسمية : ثورة الملك والشعب .
دواعي الثورة :
الثورة نزعة معنوية في الحياة البشرية، ترفع الحس المعنوي لدى الفرد والمجتمع من حالة استقرار إلى حالة غضب وانزعاج، تخشاها كل الانظمة التي عاشت التاريخ من مراحله المبنية على الاستقرار، وحالاته المتباينة من عدم الاستقرار .
ومن ثمة فالاستقرار هو عنصر من عناصر الثورة حين يسود التفاهم الاجتماعي بين القمة والقاعدة، بينما التأثير السلبي المخل بالاستقرار يؤدي إلى غضب عام، وثورة نحو عدم الاستقرار .
والثورة حين تكون لها قيادة، فإنها تجنح نحو الاستقرار، وحين تنعدم عندها القيادة، تنحو بحثا عنها لأجل الاستقرار، كالربيع العربي الذي تحرك وانطلق بالشارع من غير قيادة، إذ من البلدان من اتخذته وبحثت عن بديل للقيادة والعودة إلى الاستقرار، ومنها من عصفت حركته بالاستقرار وبالقيادة .
لذلك تكون الثورة من قيادة متعقلة، وليس من جموع عارمة .
ثورة الملك والشعب :
هي ثورة القمة التي تتزعم ثورة الشعب، الذي يريد التغيير من واقع الحماية إلى واقع التحرر، والسمو بالسلطان من كيان اجتماعي متحفظ ومتساكن، إلى كيان دولي متفتح ومتحرك، ذو نظام ملكي حداثي متطور، يتعايش اجتماعيا وسياسيا كما يتعايش دوليا .
وبالمغرب يعتبر السلطان سيدي محمد بن يوسف، هو من قاد ثورة الملك والشعب، حاملا لواء التغيير من نظام سلطاني خاضع لإدارة الحماية، إلى نظام ملكي حداثي متحرر يسود من المجتمع .
ومن ذاك المنطلق خطى خطواته الاجتماعية الاولى من التواصل مع الجهات العلمية، والشرائح الاجتماعية التربوية، الشيء الذي غاض إدارة الحماية، ورأى في تحركات الشخصية السلطانية الاجتماعية تجاوزا عن حدود سلطة القصر، وتمدد النفود نحو تراب سلطة الحماية، مما عرض شخصيته للمساءلة والإبعاد عن الساحة الوطنية، فضلا عن متابعة أتباعه والمناصرين له بربوع البلاد، الشيء الذي أدى إلى مواجهة مباشرة، بين إدارة الحماية وعموم الساكنة الاجتماعية .
حياة المنفى :
خلال إبعاد السلطان سيدي محمد بن يوسف عن العرش، تم نفيه أولا مع أفراد أسرته، إلى جزيرة كورسيكا بالبحر الابيض المتوسط، ثم ما لبث لظروف صحية، أن تم نقله ثانيا إلى جزرة مدغشقر بالقارة الافريقية .
وخلال مرحلة النفي تعزز طاقم الأسرة السلطانية بمولودة جديدة، لم يكن بالإمكان الكشف عنها، لحالة النفي والغضب والغليان الاجتماعي التي يعيش عليها المجتمع المغربي، مع سلطات إدارة الحماية، والتي ارتفعت إلى مستوى المقاومة وشد الحبل من الشارع العام، اختلطت فيها التظاهرات الاحتجاجية بالهراوات والتراشقات، مع الأعيرة الحية والدخانية .
عودة الملك :
بعد العودة من المنفى والاستقبال الوطني الحاشد الذي تقام له الذكرى، طلع على الحشد الرسمي جلالة الملك المعظم محمد الخامس، ومن ورائه أمراء الاسرة الملكية، وضمنهم إطلالة الأميرة الصغيرة، مما أذهل الحشد وأصابه بالاستغراب، وجعله يتكثم الأمر، من غير علم، ويتخذ له همسا من الحديث عن شخصيتها بالاسم : لآلة بنت سيدي .
وهكذا ابيضت الوجوه بعد أن غاب عنها سواد الغربة، كل ذلك قبل علم العموم باسم الأميرة الجليلة، والتي لا تسمح التقاليد لجلالته بتسميتها والاحتفال بميلادها إلا من وسط أهلها ومن جمع عام ببلادها .
وبعد العودة الميمونة للمغرب ذهب الحزن عن جلالة السلطان، ولاح من طلعة سعده بنان الذرية بالملك والسلطان، ثم احتفل المغاربة بتسميتها في أجواء عائلية وفرحة اجتماعية، من طلعة حياتها باسم الأميرة لآلة أمينة، وكان جلالته من أطفأ شمعة سنتها الاولى من الميلاد .
الاحتفال بثورة الملك والشعب :
تنسب ثورة الملك والشعب من الأعياد الوطنية المغربية، التي تعطل فيها الخدمة اليومية للإدارة، يوجه فيها جلالة الملك خطابا ساميا إلى الامة، يهنئ فيها الشعب المغربي على التفافه الدائم، وتجنده المستمر وراء جلالة الملك في الدفاع عن وحدته الترابية وحقوقه الوطنية، كما يستعرض فيه جلالته الخطوات التي قطعتها البلاد على درب التنمية البشرية، والسمو بالحقوق الاجتماعية إلى المراتب الدولية .
وتشكل بالمغرب ثورة الملك والشعب، الملك في خدمة الشعب، والشعب في خدمة الملك، كما تشكل عنوان الاستقرار والالتحام الاجتماعي الذي ينعم به المغرب، وثورة نماء وتحرر، صدق عليها قولة قائدها الملك محمد الخامس، لقد رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر .
ومن المثل السامي لجلالته، يجري الاحتفال بالذكرى من 20 غشت من منظور الاستقلال، وليس من منظور الحماية والنفي، لتكون دخرا للأجيال وعبرة للتاريخ .




