المغرب والمناخ

 

بقلم : محمد حسيكي

 

يرتبط المناخ بالحالة الفضائية العامة من كوكب الارض، ذات النظام الشمسي ، الذي تدور منه الارض دورتها الفضائية، دورة مناخية من الفصول السنوية ، والنظام الفضائي الذي يسود منه الطقس اليومي، والذي تدور منه دورتها الشمسية والفضائية .

ومن دورتها بالنظام الشمسي، والنظام الفضائي، يأتي الاهتمام بالمناخ بدءا من الطقس اليومي إلى الفصل الموسمي، من الوجهة الاجتماعية والدولية .

المناخ :

هو الفضاء العام من بحر تحركه الأمواج، وبر يحركه النبات، والذي تستمد منه الأحياء على كوكب الأرض عناصر الحياة، التي ترتبط بيئيا بالطبيعة، من الدورة المناخية، التي يحيا عليها النبات والحيوان والانسان .

ويدخل في دائرة الاهتمام بالمناخ العالمي، الطقس الذي يسود من داخل المجتمعات بالأجواء البرية والبحرية، على مدار اليوم من السنة .

وإن كان الطقس يعتبر حالة اجتماعية من الأجواء المحلية ، فإن المناخ هو حالة دولية مرتبطة بالتغير المناخي من كوكب الارض، ومنه تأخذ بالاهتمام العالمي .

الحالة الدولية :

خلال القرن التاسع عشر الميلادي، اكتسحت المنطقة المغاربية مخططات الحقبة الاستعمارية، التي تهدف إلى خروج المجموعة البشرية من وضعية الأنظمة المنطوية على نفسها، إلى الانسياق مع تيار النظام الدولي المسؤول عن الوضعية الدولية، وبداخلها الانسان والطبيعة، والمناخ العام الذي يوفر الحياة من كوكب الارض .

ومن ثمة ظهر النظام الدولي، في شكل كيانات اجتماعية جديدة، توحدها المبادئ الأممية، والعمل بالنظم الدولية والقوانين التوجيهية التي تقرب بين المجموعات، من الأهداف والمرامي التي يعم نفعها على الخاص والعام من البشرية من وجهة المعارف العلمية والعمل الموحد .

ومن النظام الدولي جاء الاهتمام بالمناخ العالمي، نتيجة التقدم العلمي والتطور التقني، والتحول العالمي من العصر الزراعي، الذي يعتمد على الموسمية، إلى العصر الصناعي، الذي أحدث تحولا في التغير المناخي .

المغرب والمناخ :

المغرب بلد افريقي عربي إسلامي، ذو مناخ قاري، حار صيفا، بارد إلى معتدل شتاء، تغزوه فترات جفاف، من عوامل مناخية مرتبطة بأنشطة الحياة الدولية، التي تتابع الحالة المناخية بقلق كبير، مرتبط بالتغير المناخي من كوكب الارض .

ومن ثمة يعتبر المغرب من المجتمعات الناشئة، والتي لها اهتمام علمي ومستقبلي بالمناخ، من حالات الجفاف التي تهدد مسار الحياة من حوزته الترابية، إذ مناخه جاف بأرباع من أراضيه، إلى شبه جاف، وتضاريسه منها السهول والهضاب والجبال، والمناطق الجافة لما وراء الجبال من الوجهة الشمسية، التي يغزوها المناخ الصحراوي، والتي تصلها الأمطار من سنوات الخصب، وتغيب عنها من سنوات المناخ الجاف، لذلك يتركز تواجد السكان من المناطق الخصبة بالسواحل، والجبال الرطبة، والسهول التي تتغذى من مجاري الأنهار، التي تنحدر بمنابعها من الجبل، إلى جهة المصب من البحر .

تدابير مستدامة لمقاومة الجفاف :

خلال فترة الحماية، عرف المغرب من التواجد الأوربي، بناء السدود لخزن مياه الأمطار، وإقامة زراعة السقي، بالطرق الحديثة والتي تساير متطلبات السوق الدولية، على يد المزارعين الاوربيين، استقطبت تلك الزراعة اليد العاملة الفلاحية، وتحويل أراضي موسمية إلى مسقية .

وعهد الملك الحسن الثاني، توجه الاهتمام إلى المجال الفلاحي، من خلال المراهنة على سياسة بناء السدود لأجل سقي مليون هكتار، فضلا عن إنتاج الطاقة الكهربائية للمدن .

وأمام تزايد النمو الديمغرافي، واتساع رقعة المدن من وسط حضري إلى مجال عمراني، وتزايد الطلب على الماء من الوسط الفلاحي إلى الوسط الحضري، لحاجيات الصناعة التحويلية، والشرب، إلى جانب إكراهات ضروب الجفاف، الذي اتسع من منطقة الحوز إلى منطقة الغرب الخزان الرئيسي للزراعة الموسمية والمسقية .

ذك التغير المناخي من الواقع الاجتماعي، هو ما جعل الملك محمد السادس، يواجه التغيرات المناخية الطارئة، بمنهجية ترشيد المياه، من اعتماد مخطط المغرب الأخضر واستبدال الري الانسيابي من وفرة الماء، بالاستعمال الموضعي للمياه عن طريق التنقيط، كي يحافظ على المساحات المسقية، ويواجه الحاجيات الحضرية من المياه الصالحة للشرب .

ومن الوجهة البيئية الناتجة عن التوسع العمراني، تجلى الاهتمام في معالجة المياه العادمة وتحويلها نحو الفضاءات الخضراء بالوسط الحضري، فضلا عن تطهير الشواطئ من مخلفات موسم الاصطياف، والعناية بالمطارح الصلبة وما تطرحه .من أضرار على صحة الساكنة الحضرية، إلى جانب معالجة النفايات الصناعية، وإخراج الأحياء الصناعية من المجال العمراني للمدن، إلى مناطق صناعية قائمة بذاتها من وجهة المرافق المحافظة على البيئة .

الجفاف والتحول في المتطلبات :

كل ما يعرف عن ضروب الجفاف التي تمر بها البشرية، النقص في المساحات الخضراء وفي التغذية بالنسبة للإنسان والحيوان، مما يؤدي إلى تفشي الأوبئة والأمراض المعدية، من تلوث المناخ وتراجع نسبة الحياة، من تراجع الدورة المناخية .

وإن كان الجفاف في القديم ينسب إلى الظروف الطبيعية، فإنه في القرن العشرين ينسب إلى التحول في الحياة الدولية، من أحوال متردية مخلة بالنظام البيئي إلى انعكاساتها على الأحوال المناخية العالمية، ناتجة عن التحول الصناعي الذي حول مدار الكوكب الفضائي من مدار طبيعي، إلى مدار الأجواء المغايرة للطبيعة، نتيجة الملوثات الصناعية السامة التي تشكل غلافا دخيلا بالأجواء، شبيها بالمطبخ التقليدي الذي يعاني من ذاتيته أمام انسداد الأجواء وانحسار الهواء، وارتفاع درجات الحرارة من انبعاثات الأنشطة البشرية على سطح الكوكب، إلى جانب ارتفاعها من حدة الجفاف، واشتعال المجال الغابوي من فرط حرارة المناخ الجاف .

وهكذا إذا كانت حاجيات الانسان وقت الجفاف من العصر الزراعي، تتوقف على النقص في الغذاء، فإنها في العصر الصناعي والأبحاث الفضائية، تتوقف فضلا عن ذلك على النقص في الماء، وجودة الهواء، خاصة في الحواضر المدنية، التي أضحت حاجياتها المائية المتزايدة تهدد حقينة السدود المهددة بالنفاد، كما عليه الحال من فترة جفاف كوفيد 19 بالمغرب .

ومن خلاصة الحالة، أنه خلال العصر الزراعي، كانت قمم الجبال تشكل الخزان الطبيعي، للثلوج على مدار السنة، لكن بالعصر الصناعي، أصبحت السدود المائية بالمناطق الجبلية، هي الخزان الصناعي للحاجيات المائية .

غير أنه في سنوات توالي الجفاف، لم تعد هناك ثلوج على مدار السنة، من قمم الجبال، بل وأصبحت مخزونات السدود التي تشكل الفرشة المائية السطحية مهددة بالنفاد، من تزايد الحاجيات الحضرية، وتحول الطلب الاجتماعي من الحاجة إلى الغذاء، إلى الحاجة إلى مياه الشرب .

إنقاد جهة سوس من الجفاف :

تعتبر جهة سوس من الجهات الفلاحية المتعددة الغلال الزراعية، من مجالها وسط الأطلس الكبير الغني بالثلوج من القمم الجبلية، ومن وجهة توالي سنوات الجفاف، تحول الانتاج الفلاحي من المنافسة الدولية، نحو الاستثمار على الفرشة المائية الجوفية، التي ازداد الضغط عليها وكاد يحول خضرتها إلى منطقة قاحلة يعصف اجتفاف فرشتها بالخضرة والغلال المثمرة، الشيء الذي جعل الدولة تتدارك الحالة، بإقامة محطة لتحلية مياه البحر على الساحل الأطلسي، لتوفير مياه الشرب لمدينة أكادير، وسقي حوالي 15 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية، التي نفدت فرشتها المائية، أمام المنافسة الاستثمارية .

كما يتجلى التكيف الاجتماعي والتحول أيضا، جريا مع التحول المناخي، بدءا من الانتاج الطاقي الذي تحول، من محولات الطاقة المقامة على السدود، إلى محطات الطاقة المتجددة المستخرجة من الطاقة الشمسية، وكذا من محولات مزارع الطاقة الريحية، فضلا عن تأمين الزراعة البورية من الجفاف، لمواجهة الاحتباس الحراري، كي لا يهجر الفلاحون الأرض، والنزوح نحو أوروبا، الوجهة البديلة عن التغير المناخي، حيث يحظى الفرد بنوع من الاعتبار، لكن الأموال لا يمكنها أن تحل محل الطبيعة، لا من الوجهة المادية ولا من الوجهة المعنوية .

وتبقى جهود المغرب في مجال محاربة التغيرات المناخية، جهود محترمة قائمة على العمل الاجتماعي البناء، الذي يساير الالتزام بالحفاظ على البيئة من منظور القوانين الدولية، وتوصيات المؤتمر العالمي لقمة المناخ .

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني