الظباء العربي

 

بقلم : محمد حسيكي

الإنسان كائن حي ناطق متكلم، عاقل بالرشد، الذي يفصله من فطرة الطبيعة عن سائر المخلوقات الكونية من الأحياء البرية، يتميز لسانه بالنطق وكلامه بالعقل، أليف فيما بينه وإن يختلف بيئيا فيما بينه بالنطق، وأيضا مع سائر الأحياء الموجودة حوله، منها من يتخذه أليفا من الحل والترحال، ومنها من يحتاط جانبه الغير الأليف، ويتركه عزلا غير قريب الجانب، يميز بين الأحياء البرية العاشبة والمتوحشة اللاحمة، وبين السامة الفتاكة، وشبهها الغير السامة، وبين الأحياء الصالحة للتشغيل والاستخدام، والصالحة للتغذية والتربية والانتاج، وكذا الصالحة لاستئناس الجانب والحراسة من مجال الصيد والعمران .

والإنسان يعيش في البر، ويركب البحر والفضاء فضلا عن البر، الذي يرسو منه على سطح البحر، ويقلع منه ويهبط من الفضاء، يقول بالوجود الذي وجد فيه نفسه مخلوقا، يتعبد بالكون من خالقه، ويدين بالحياة التي يحيا عليها إيمانا منه، أن الحياة صيرورة مسترسلة الوجود، وأن الإنسان تطور من حياة الطبيعة، إلى حياة العمل، مما يرضي نفسه وربه .

الإنسان العربي :

يتواجد الإنسان العربي من طبعه المسالم، في مناطق بعيدة عن الصراع، شمسية من مدارها، ضوئية من فضائها، صافية الأجواء، خفيفة الهواء، متفرقة النبات شاسعة الأطراف، شاهدة العمران، شبه معمورة بالإنسان والحيوان والنبات الذين يتحملون الظروف الطبيعية من فصلي الصيف الجاف، والخريف الشبه الجاف، كما تسود منها الحرارة الشمسية، والرياح الخريفية من مدار السنة .

ينسب العرب من حضارتهم إلى الكنعانيين ممالك آسيا وإفريقيا، الذين جمعهم مع الروم المبادلات التجارية، التي أسست على شريعة الدين السماوي، الذي صهر وحدتهم من العلاقات البشرية، ووجودهم من العقيدة التي يدينون بها من الحياة الدينية الدنيوية .

والإنسان العربي ذو بنية رشيقة ربيعي الشباب، خريفي العمر، متوسط القامة خفيف الجسم أسود شعر الرأس والعينين، صبور سوي بين بني الانسان، يميل بياضه إلى السمرة من الطبيعة الحارة، أو المصاهرة الافريقية، قريب في هيئته إلى الإنسان الأسيوي، وفي بياضه من الإنسان الأوروبي، وفي سمرته من الانسان الافريقي

ومن عهد الكنعانيين نسب العرب إلى الأم آسيا قاريا، وأفريقيا هرما حضاريا، والبيت العربي مقاما، إذ علاقتهم مع آسيا سابقة عن علاقتهم التجارية والدينية مع أوروبا، بل علاقتهم مع أوروبا أنستهم في جانبهم الآسيوي .

يعيش الإنسان العربي من بداية حياته، جوالا يمسح الارض متنقلا بالترحال، أليف البيئة مع قطيع الحيوان المحلي، الذي يتخذ منه المطية للركوب والحمل كالابل، والظباء للحليب والتغذية، وهي حيوانات عاشبة تتغذى على الأعشاب البيئية، وتتحمل الحرارة الموسمية، والانتشار من الأطراف المترامية، تصبر على الجوع والعطش والتنقل بحثا عن المرعى والماء .

يرتبط العرب مع إفريقيا من الاسرة الكنعانية عبر الهرم من نهر النيل، ومع آسيا عبر دجلة والفرات، ومع أوروبا عبر المبادلات التجارية البحرية والعقيدة الدينية، ومع البيئة الزراعية من النخيل العربي .

الظباء العربي :

الظبي العربي قرين الرأس فصيل من نوع الغزال، الذي انسلخ من المدار عن الغاب إلى جانب حياة الألفة مع الانسان، وقد أكسبه هذا الجانب لمسة تحسن وتطور في الشكل والنوع والحجم، أبعده شكلا عن حياته الخلوية من جانبه الأصلي، الذي بقي منحصرا في جانب الغزال البعيد عن الحياة مع الإنسان .

ومن رعاية الإنسان العربي الظباء، صارت نوعا من الماشية الأليفة إلى جانب الجمل، المتأقلمة مع المناخ الحار والجاف، وهي ذات جلد متين وناعم، قوية العظم عالية الكعب، خفيفة الوزن سريعة الخطى والقفز، تنتعش من الأجواء الحارة، وتنكمش من المناخ البارد، تنجب بالتعدد .

يخصه العرب من أولهم باسم الظباء، ويطلق أهل المغرب اسم الظبية على الجدعة، من سن ما قبل الإنجاب والاستبدال، ويعرف عندهم من عهد الامام احمد المسمى الإمام الغزالي، باسم ماعز، أخذا عنه من قولته : ماعز له نظير، وهو ماشية العرب التي عز نظيرها بالبلد، إلى جانب الابل، إذ شعر الماعز، ووبر الابل، يستخدم في نسج الخيام التي يقطنها الإنسان العربي، من مهد سكنه بالأرض، ينتقل بها عبر الطبيعة العارية ذات المدار المتقلب، بين الحرارة والرياح الجافة .

وتعرف الظباء العربية من القرنيات الأليفة، متعددة الأحجام، ومن أشكالها الفرطة الرأس من القرنين، خفيفة الجسم متعددة الولادة غزيرة الحليب الغني بالدسم، يتسلق الأشجار والمرتفعات، يتغذى على النبات الأخضر والجاف، ويستطيب من الرعي النباتات الشوكية الملائمة للتغذية البيئية، التي تختزن الماء من وقت الوفرة من طراوة عودها، لوقت الحاجة من صلابته عبر مدار السنة .

علاقة المرأة العربية والظبية :

المرأة العربية إنسانة ذات تربية محافظة، راعية البيت وربته من التقاليد التربوية، وراعية الدين بما أوتيت من عقل سليم بالإيمان، من السيدة مريم، إلى السيدة عائشة الصديقية .

والمرأة العربية تشتغل بالبيت أكثر من الرجل، فهي من تنسج خيمة السكن من وقتها، وتقبل بها مقاما لعش زواجيها، إذ تحملها من بيت أهلها فتاة فرحة من دخولها الحياة الزوجية، تحدوها الظبية من شيم تربيتها وكرمها للمهنئين، المرحبين بطلعتها من بيتها يوم زفافها، وهي في حياتها من تعمر بيت الزوجية، وتطعم الإنسان والحيوان، وتحتضن الصغار بالتربية والرعاية الأمنية والأليفة .

وبيت المرأة العربية لا يخلوا من التمر والحليب، والحناء والعطور، والدهنيات والألبان، والترحيب بالقادم من قريب أو بعيد، تدخل الهودج من ليلة الزفاف، وتسكن البيت أما للأطفال .

والمرأة العربية تعمر فضاء بيتها، بالدواجن من طيور مختلفة، وأرانب أليفة، وتزين جنباته بالنباتات العطرية التي تفوح رائحة، وأنواع من الورود تتراقص الوانا .

العروس والظبية :

العروس العربية حين تنتقل من خيمة أهلها، إلى خيمة عرسها، تمتطي نحو بيتها من ليلة الزفاف الهودج، وهو خباء الزوجة داخل الستار المقام على ظهر الابل، تتربع منه العروس من طريقها نحو بيت الزوجية، وتحدو حدوها من السير إلى جانب ركبها على ظهور النوق خيمتها، وجهازها من الفرش والأثاث، اللازم للحياة البيتية .

ومن الظبية الحية، التي تأتي بها ذبيحا، لإطعام أهالي البيت الجديد، تعبيرا منها بالفرحة من لقائهم وتواجدهم، من يومها الأول من المروءة بينهم، تستجمع أمها جلد تلك الظبية وتقوم بنقله إلى بيتها، لتصنع لها منه حقيبة جلدية ناعمة، على شاكلة معكوسة الفتحة مما يجري على تهيئ شكي اللبن، تحمل اسم الظبية المعدلة من ذبيح العروس بالبيت، إذ تتخذها لحفظ مساحيق التجميل التي تخص الرأس والوجه إلى اليدين والقدمين، إلى جانب لفائف من النباتات العطرية، والأبخرة الجافة والعطور السائلة والمرطبات الجلدية، وكل ما يليق بالزينة النسوية من الحياة البيتية الخاصة .

ويعرف الظباء العربي من النوع الحلوب الأليف جانب الانسان، ينجب التوائم، ويختلف عن ظباء البراري الغير الأليفة التي تستوطن الغاب بالمناطق المطيرة .

وإن يعود من لسان المرأة، اسم الظباء العربي لعصر الرعي، فإن المحافظة عليه إرثا فنيا وذكرا لسانيا يعود لتقاليد المرأة العربية المحافظة، التي اتخذت من الظباء ذبيح عرسها، ومن جلدتها حقيبة زينة لمحتويات تجميل هيئتها .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني