عبد اللطيف مجدوب
كان العمل النقابي وما زال ؛ من المنظور الديمقراطي الأصيل ؛ آلية لتقويم المسار الحكومي في تعاطيه مع حقوق فئة العمال والأجراء ، بمختلف شرائحهم المهنية ، بيد أن هذا المفهوم ولى أو بالأحرى تم اختراقه بفعل عدة تحديات ومتغيرات اقتصادية ، فتحول ؛ لدى كثير من الأنظمة الشمولية ؛ إلى ممالأة ومهادنة وعمل صوري في مظهره وانتهازي في خلفيته ، ولتتضح المفارقة أكثر بين نشاط نقابي أصيل وآخر دخيل وكسيح ، تكفي الإشارة إلى موجة الإضرابات التي تجتاح هذه الأيام بلدانا أوروبية عديدة ، على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على أسعار المواد الطاقية والأجور والمرتبات ، فهناك شبه شلل عام تعرفه قطاعات حيوية كالنقل والتعليم.. حاولت هذه الحكومات بشتى الوسائل احتواء رقعة هذه الإضرابات ، بيد أن جسمها النقابي كان صلبا وأقوى من أن تخترقه أية مناورة ، بالرغم من أنصاف الحلول التي كانت الحكومة تلوح بها في كل لقاءاتها مع ممثلي القطاعات المضربة ، بينما ؛ ومن الواجهة الأخرى ؛ نجد أن الجسم النقابي عندنا بالكاد مشلول ، يصدر وبإيماءات من الحكومة في معظم الحالات .
التعدد النقابي والتشتت الحقوقي
في إطار سياسة الاختراق، تبنت السلطات الحكومية عدة سيناريوهات ، أبرزها استنبات أجسام نقابية مضادة من نفس القطاع ، فنجد أن قطاع النقل الداخلي ؛ على سبيل المثال؛ (الطاكسي) تتقاسمه أكثر من عشر نقابات ، وأحيانا نجد أن كل “حزب سياسي” مستقل بنقابته، وإذا أحصيناها فسنجدها تتجاوز 50 الخمسين نقابة ، بعضها ذات انتماء نقابي سياسي أكثر تمثيلية ، والبعض الآخر تنتفي عنه هذه الصفة ، وهي في عمومها تتلقى “الدعم المالي” من الدولة وتحظى فروعها الإقليمية ؛ على مستوى “رؤساء مكاتبها” بالمودة والقرب من السلطات المحلية ، بل وتتلقى منها ؛ بين الحين والآخر وخلال الظروف السياسية الساخنة ؛ إشارة التجمهر والمظاهرات “الاحتجاجية” ، وشن إضرابات وهمية محلية ليوم أو يومين .
إضرابات الأمس هل هي إضرابات اليوم؟!
بالأمس أو بالأحرى في سبعينات إلى التسعينات من القرن الماضي ، كانت كلمة “إضراب” ووقعها في الأسماع تثير الذعر ، بمثابة صاعقة ينتظر نزولها من السماء ، حينها كانت الحكومة يسودها حالة من الاضطراب ، تسعى جاهدة بكل وسائلها لتطويقه والعمل على إفشاله ، وفي أحيان عديدة كان يصل فيها الحوار لجلستين متتاليتين أو منفصلتين بين الحكومة والنقابة إلى طريق مسدود ، وذلك من خلال التمسك بأخلاقيات المبادئ النقابية الشريفة ، والتي ياما حاولت الحكومات إخراسها وإغراءها بالمحسوبية والزبونية .. عادة ما كان الإضراب يشل الحركة في القطاعات المضربة كالتعليم الذي كان يعني إغلاق المدارس في عموم التراب الوطني .
لكن العمل النقابي اليوم فقد أفرغته الحكومات المتعاقبة من مدلوله الحقوقي، فصار مبتذلا ، قلما يلتزم به مهنيو القطاعات المضربة ، فنجد “على سبيل المثال ” تجمهر أرباب سيارات الأجرة واضرابهم عن العمل ؛ في مدينة معينة مثلا ؛ ولكن وفي آن واحد تجد آخرين يجوبون الشوارع بسياراتهم مكسرين علنا “الالتزام بالاضراب ” ، ومنهم من لا يعلم مطلقا لأية مطالب يسعى المضربون إلى تحقيقها .. ومنهم فئة فقدت الثقة في الإضراب والمضربين !
بيد أن هناك قطاعات ؛ ولو على قلتها وندرتها ؛ لها نقابات صلبة ومتماسكة في مواقفها، ولا تقبل بأنصاف الحلول ، كنقابة المحامين التي بقيت وفية لمبادئها ومواقفها تجاه الإجراءات المجحفة التي كانت تعتزم الحكومة إنزالها .
وفي خضم هذا التهافت النقابي وتعدد أوجهه الانتهازية ، تضيع حقوق معظم مهنيي القطاعات الخدماتية والوظيفية والمهنية .. إلى درجة أن دبّ اليأس إلى قلوب هؤلاء ، فولوا وجهتهم إلى منابر التواصل الاجتماعي يبثون أصواتهم وآلامهم ومطالبهم ، لكن هل هناك آذان حكومية صاغية ؟!




