بقلم : محمد حسيكي
الحياة أمانة في عنق الأحياء، تحافظ عليها كل الأجناس من خلال الشراكة الزوجية في الحياة، التي تتطلب البلوغ والنضج من الحياة التي يجب الحفاظ على ديمومتها أمانة مؤتمنة مستدامة الوجود .
وقد بدأت البشرية حياتها بالعيش في شكل جماعي، ثم تطورت من ذاتها إلى نزعة فردية، من الخيار والاختيار، الذي نشأت منه حياة الشراكة الزوجية، التي أخرجت البشرية من حياة الفطرة، إلى حياة الانسان العاقل، الذي يدبر الحياة بعقل سليم، تتخذ منه الحياة مسارا مقدسا .
مراحل الحياة :
حياة الانسان المؤمنة من الشرع تنطلق من مهد الصبا، ثم الطفولة، فالشباب، والكهولة، ثم الشيخوخة، وهي الفترة الشرفية من الحياة وعبر هاته المراحل العمرية، يمر الإنسان من مرحلة التعلم، ثم مرحلة العمل، إلى مرحلة المعاش، التي ينتقل فيها الإنسان من سن الحركة والعمل، إلى سن الراحة والاسترخاء من الأتعاب التي تحتاج إلى الرعاية الصحية، في ظل الأسرة، أو المجتمع، حفاظا على روابط الاسرة والمجتمع .
وعبر حياة الانسان التربوية والعملية يحتاج فيها من مرحلة نشاطه المهني إلى رسم الازدياد، الذي يكتسب منه مردود حركة نشاطه اليومي، بينما فترة معاشه تحتاج إلى شهادة الحياة السنوية، التي يكتسب منها المعاش، واستمرار الرعاية الصحية .
ومن شرف الحياة أن يعيش الانسان طفولته، وشبابه، ومروءته، وقد أدى الواجب نحو أسرته ومجتمعه، إلى أن تبر به الاسرة من البيت أو المجتمع من احتضانه بمؤسسة الرعاية .
الشيب قبل المشيب :
من مجريات الحياة العامة، أن يبني الفرد ذاتية حياته، بدءا من فترة الشباب، وأن يجني ثمارها من فترة الشيب .
لكن هناك ظواهر أولية من الآخر، تبرز قبل وقتها في حياة بعض الأفراد، كالشيب الذي يعتلي شعر الرأس من زمن الطفولة، ويسمى في اللغة العربية شيب الولدان، وحين البلوغ، يختفي ذلك الشيب، أمام سن الشباب، وهي مرحلة عمرية من الحياة تفسخ زوائد سابقتها .
وبموازاة مع سن الشباب، يتقدم العمر بالإنسان نحو الكهولة، ثم سن الشيب الذي يبيض منه شعر الوجه ثم الرأس ، لكن هناك أشخاص يتعايش في أذقان وجوههم سواد شعر الكهولة مع مشيب الشيخوخة، كما الحال من شيب الرأس من مرحلة الطفولة .
وإن يختلف لون الشعر من حياة الفرد في فترة النمو بين الأسمر والأسود والأبيض، من موقع حياته بالمناطق الشمسية أو المناطق الظلية، فإنه في مرحلة الشيب يغلب على لونه البياض، ويندر الاختلاط .
ومن ثمة الشيب في حياة المغاربة، صنفان : صنف عام وهو أبيض من عامل السن على الوجه، ثم صنف خاص أسود، ويسمونه الشيب الاخضر، وهو بالسواد كالظل من وسط البياض، الذي يسود بالسواد، وهو تزاوج في خصلة الشعر بين الرأس والوجه من ذات الإنسان .
وتلك خاصية الفرد من طبيعة ذاتية، ذات جذور وراثية من والديه، قد تظهر في فرد وتخلو من شقيق له، وإن تشد الأنظار في حياة الولدان من زمن الطفولة، فإنها لا تثير الانتباه من سن الشيخوخة .
وفي اللغة العربية لا يسمون القارة الافريقية بالقارة السوداء، بل القارة السمراء، وعند المغاربة المحافظين الإنسان الأسود والأسمر ذو الميل للسواد يسمى بالأخضر، ومن الخضر الميامين سيدنا الخضير .
الحياة الزوجية :
هي عماد استمرارية الحياة، التي شرع لها الدين، وأخرجها من حياة الفطرة جانب الأمومة، إلى حياة الاجتماع، التي تجعل للطرف الذي يعيش باليسر حقوقا عامة يعمل بها الفرد والمجتمع .
وفي عصر الحياة الجماعية، التي تجعل من الاسرة وحدة من أبناء العائلة، والعائلة وحدة من خلية الجماعة التي يقوم عليها المجتمع
كانت حياة الأسرة في كنف العائلة، مشتركة بالعيش من النظام الجماعي، الذي يقوم على الاكتفاء الذاتي، كإطار للعيش الجماعي من شريعة المجتمع، حيث الأسرة والعائلة هي المتكلم والمخاطب على لسان الفرد .
ومن عصر التحول المادي بالحياة العامة في المجتمع، أصبح الفرد هو المتكلم والمخاطب والمعرب عن نفسه من لسانه، وأصبحت الحقوق الفردية من الحقوق العامة في بناء المجتمع، وخصوصية الفرد من خاصية المجتمع .
وقد أدى هذا التطور في العلاقات البشرية من الحياة الاجتماعية، إلى خروج الفرد من ركن البيت إلى فضاء المجتمع، وتطور الزواج بالمجتمع إلى خارج العلاقات الأسرية والعائلية، بتواصل الأفراد من علاقة قرب ينسجوها بالاختلاط فيما بينهم من المحيط الاجتماعي .
وهاته العلاقة تنبني على مشاعر المحبة المتبادلة بين الطرفين، قبل الزواج، ومن وقته، واستمرار الحياة منه، وهو جديد الحياة بالمجتمع من العلاقات البشرية، التي خرجت من طور العائلة تحوم حول نفسها، لا تقبل العيش في ظل الجماعة، مما أدى إلى استقلالية الأسرة عن العيش مع العائلة، والفرد عن الاسرة، لدوافع اجتماعية بالنزعة الفردية .
وفي ظل هذا المسار الاجتماعي، تطورت رعاية الفرد من عامل السن بالمجتمع من محيطه الأسري، إلى محيطه الاجتماعي الذي يخص الفرد من فترة عجزه بالرعاية الاجتماعية من دور المسنين بديلا اجتماعيا عن الاسرة أو مستخدم البيت من وسط الاسرة .
ومن هذا التطور في الحياة الاجتماعية، لضغوطات العمل اليومية تحولت الرعاية من الأبناء للوالدين من مرحلة الكبر، إلى رعاية المجتمع في حالة الضرر، وهو ما جعل المسن يدرك أن المجتمع المتخلق خلاق بالعمل، يوم يصبح الفرد قاصرا الجهد من الجسم والنفس .
من هاته البوابة الاجتماعية العامة، ينكشف للعيان، أن الحياة الزوجية بين الأفراد بالمجتمع، حين تنبني على الحب من الزواج وتستمر فيه، من الانجاب أو دونه، إلى أن يبلغا من الرفقة مع بعضهما مبلغ الوحدة التي جمعتهما بالنهاية، دون أن تستمر بهما إلى الجنوح بالوقفة على المفترق، وتلك عودة الشريكين من الباب إلى عهد الشباب، للتماسك بدء من حاجة المسنين إلى حب البقاء في دفء الحياة الملتئمة .
وهكذا إن عادت لوحدها تذكرني، ليتها تعود بالحنين من المشيب إلى أيام محبة الشباب، ذاك حالها حين يهجر أبناؤها البيت تباعا، ويبقى الوالدان اثنين أنيسين متحابين إذ هما في الدار الله معهما .




