جامع المصلى قبل المئذنة

بقلم : محمد حسيكي

 

الجامع في الدين الاسلامي اسم مؤسسة دينية، وعلمية، أسس له نبي الإسلام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، دينيا من مكة المكرمة، وعلميا من المدينة المنورة، وائتلافا قدسيا من المسجد الأقصى .

وعلى مذهب مالك إمام دار الهجرة، اتبع أهل المغرب الدين قراءة من القراءة المكية، وعلما من عمل أهل المدينة، من الجامع الذي تجتمع منه الجماعة على الدين، ويهذبون منه قراءة، تربية أبنائهم علما وخلقا على سيرة سيد المرسلين .

إذ الجامع مقام من الدين والخلق السليم، الذي انبنى عليه المسجد الاقصى، من بيت سليم المقام السامي من الدين .

ومن خدمة أهل المغرب الدين من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمسجد الأقصى المبارك، عرف المغاربة بالتاريخ الاسلامي، من أهل الجماعة .

الجامع بالمغرب :

يستمد الجامع اسمه من الجماعة، التي يخصها الدين بيوم الجمعة، ويطلق الجامع على المسجد، المكان الخاص بتأدية الصلاة في الدين الاسلامي، التي يتم النداء لها جهرا وتكبيرا بالآذان الإسلامية ..

والجامع بالمغرب له تاريخ من الجماعة، التي لها شرع من الدين، إذ هو مقام عبادة، ومكان علم، ومحل سلطة شرعية مستمدة الحكم من الدين، إذ كان سلاطين المغرب عبر التاريخ، يستمدون شرع سلطتهم من البيعة الاسلامية، بالجامع محل العلم وأهل العقد الاجتماعي، على الصلاح والإصلاح بالمجتمع .

وقد كانت تجري مبايعة السلطان، الذي يحمل اسم أمير المؤمنين، منذ عهد المرابطين، على منبر الجمعة الذي يعلوه من اسم مولانا الامام، يخطب منه في الناس، بعد المبايعة على السمع والطاعة .

واشتهر من خطب سلاطين العصر الاسلامي، خطبة المولى إدريس الأزهر مؤسس الدولة الادريسية، واشتهر من منابر المغرب المنبر المرابطي، الذي حمله آخر سلاطين العهد الإسلامي من البلاد الإبرية نحو الديار المغربية .

الجامع القرآني :

أقرب الجوامع للصلاة وتلاوة القرآن، جامع التعليم وقراءة القرآن عند أهل الجماعة، وأخص بالذكر الجامع الذي تعلمت منه قراءة القرآن، كيف نشأ من الجماعة وكيف تطور عمرانيا على يديها، سيرا من بادئ عملهم، يد الله مع الجماعة .

والجماعة كما نشأت من آخر عهدها، رواية عن جدتي، كان جد والدي، يتخذ سكنا حضريا من المدينة، وسكن من الخيام بالقرية، حيث كانت الحياة العامة ذات طابع قروي .

وعهد الحماية، هاجر مع الجماعة من المدينة إلى القرية، لكن خروجهم من المدينة اصطدم بمرور قافلة عسكرية، داست واحدا من أفراد الجماعة، مما أدى إلى فرقتهم فريقين، تولى فريق وجهة الغرب، وفريق وجهة الشرق .

وحين استقر أهلي من مكان إقامتهم رحلا غير متنقلين، هيئوا من محطة نزلهم ثلاثة آبار مائية للارتواء، وجامع للصلاة والقراءة، وفيه تعلم والدي قراءة وحفظ القرآن، وتبركا من المقام أخذت منه تعليمي الأولي .

عمران الجامع كما عهدته :

هو بنيان جماعي من التراب الطيني المكوك اللوح، من مقلع معمق التربة المجاورة للبناء، والذي يتكون من بيتين مترابطين ذوي سقوف بالقصب والخشب، على شكل سلسلة مستطيلة، وتوجد بالساحة أمام بيت الصلاة مصلى في شكل قوس شمسي، على الوجهة الداخلية للسور الحائطي للجامع، وهي من أرضية عذراء نظيفة ذات تسوية خفيفة الزينة من سواد رمل الواد، تحد جنباتها مع بيت الصلاة أحجار ترصف المكان من الداخل، وتعلوها تغطية التربة من الممر الخلفي .

ويتكون فرش بيت الصلاة والقراءة من حصير محلي، إلى جانب الألواح الخشبية للقراءة، ودرة جلدية لفرش الفقيه خلال الصلاة والقراءة، وحجر التيمم بالبيت .

أما البيت الملحق بالجامع فهو خاص بالحطب وجرة ماء لتسخين ماء الوضوء للصلاة، من كن خطب، وكذا إناء الماء لمحو الألواح وقت تجديد الكتابة بها .

ومن وجهة حماية بوابة الجامع، فإن ذلك يقتصر على عارضة خشبية مثبتة من مبنى عرض البوابة، يخطو عليها الكبار، ويمر من تحتها الصغار، بينما فوهة بيت الصلاة يتوفر على دفتين للإغلاق، وبيت الحطب والماء منفتح الباب من غير دفاف .

مصلى الجامع :

المصلى من داخل الجامع مكان منفتح على الفضاء، يهلل منه الفقيه يوميا لأذان الصبح، بعد مراقبة طلعة النجمة الضوئية، الفاصلة بين المدار الفضائي والمدار الشمسي، و من استوائها يؤذن لوقت انبلاج الصبح، كما يصلون بالمصلى الصبح من فصل الصيف، وكذا صلاة المغرب، والعشاء، وأيضا قراءة الحزب بعد الصلاة .

وفضلا عن ذلك يؤدى بالمصلى، صلاة العيدين من الفطر والأضحى، علاوة على صلاة الاستسقاء الجماعية، خلال فترات الجفاف من فصل الشتاء .

الجار والإمام من الجامع :

عهد الجفاف الذي ساد بالمغرب من أربعينات القرن العشرين، هاجر ساكنة الجماعة من شدة المناخ، وضغط الحياة المعيشية العامة على الساكنة، وبقي من حرمات السكن جدي، وبعض من أفراد عائلته، إلى جانب حارس ليلي، وإمام الجامع الذي أضحى مهجورا من هجرة الساكنة .

وقتها حول جدي مكان القراءة من فراغ الجامع، إلى بيت فتح له منفذا خارجيا من سكناه، إذ كان له ولدان، والفقيه ولدان، وولد الحارس، راح الفقيه يشتغل على تعليمهم قراءة القرآن .

كان وقتها الباقون من ساكنة الجماعة، يقتاتون من كف يد بالمد على حبة الذرى المحمصة، يتلقونها بعد العصر وجبة يومية لسد الرمق من الطوى، اقتناها الجد مؤونة عائلية بعد أن ابتاع الحصان، الذي كان يركبه من مواسم الأفراح الاجتماعية والحفلات العائلية

وحين عودة الحياة إلى طبيعتها، عادت ساكنة الجماعة إلى أرضها، وعاد الجامع إلى دوره من الدين والقراءة .

وكان يجري الاهتمام به من الجماعة، بتغطية سنوية على السور بالأشواك الموسمية، حماية له من التعرية وانجراف السيول المطرية

وكما تعرض الجامع لهجرة الساكنة من فترة الجفاف، تعرض أيضا للهجرة من الأطفال عهد التعليم المدرسي، إذ بقي الجامع خاصا بأوقات الصلاة، وانقطع عن الفقيه منحة ربة البيت، من مؤونة الرتيبة وعوائد القراءة .

وعهد إعلان الملك الحسن الثاني، العزم على بناء مسجد على الساحل الأطلسي، من مدينة الدار البيضاء، تجدد الحماس الاجتماعي في نفوس المغاربة، إذ سارعوا للتطوع والمساهمة ذكورا وإناثا، بالاكتتاب من قدراتهم المالية في بنائه تقربا إلى الله من بناء بيت عبادته .

تجديد عمران الجامع :

كان لواقع بناء مسجد الحسن الثاني، صدى إيجابيا في نفسية ساكنة الجماعة، مما حدا بهم إلى الالتفاتة نحو جامع الجماعة، إذ عادوا إلى ترميم البناء اللوحي دون هدمه، وتجديد البناء الجديد القائم على الأسمنت والحديد، من المساحة المفتوحة على الفضاء من الجامع الأولي، فضلا عن تأثيثه بالفرش والإنارة ومكبر الصوت وبالمحراب والمنبر لإقامة صلاة الجمعة به، وعودة القراءة القرآنية منه .

كما زين الجامع بمئذنة تعلي صوته بالتكبير للصلاة، ومن طرائف بنيانها الأولي، أنها أقيمت على بنيان أجوف، اتخذت طيور الفضاء الليلي جوف الصومعة مأوى من مدخل فتحات التهوية .

ومن صدف الاطلاع الجماعي على داخل الصومعة، أنهم وجدوا بها طيورا ليلية، وهي أنواع من الصقور التي تختفي من ضوء الشمس، وتستيقظ من فضاء الليل، وحين ملامسة جدران الصومعة أحسوا أن قوائمها، قائمة على مهب الريح ومتداعية، فأدركوا أن فجوة التداعي من فراغ البنيان، حينها سارعوا إلى تثبت داخل الصومعة بالدرج من أدنى إلى أعلى، وسد الفراغ بالبنيان.

تطور الرعاية بالجامع :

كان الجامع من مهده مقتصر على عمل الجماعة، إمامه يتابع الأوقات نهارا من وقت الضحى إلى تقبل الظل قبلة الشرق من المصلى، ومراقبة استهلال الشهر، والفصل اليومي من رؤية الخيط الضوئي الأبيض من غياب سواد الفضاء اليومي .

ومن مراقبته الأجواء من مواسمها والأوقات من أيامها، عرف دوران الأرض من فصولها، بالشمس من يومها والقمر من مدار الفصول بين جهاتها، والنجوم السارية المدار من سطحها وفضائها .

وبعد أن عرف الجامع أنه مقام الفقيه، الذي أراد الله به خيرا وفقها في الدين، والمكان الذي تجتمع فيه الجماعة على الرشد، ورعاية الأطفال وتحضيرهم تربويا وعلميا، محضرين على القراءة ورفع الجهل عن الإنسان من الدين والعلم .

تطور من عهد الطاقة الشمسية، والكهربة القروية، والتزود بالماء الشروب، إلى منارة دينية وعلمية، حظيت بالاهتمام من وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، بالمناطق القروية، حيث تولت تخصيص أجر شهري، للقيمين على الدين من إمام ومؤذن، وهو عمل فك العزلة عن الجماعة من الأموال العامة، وأعاد لها الاعتبار من الدين وعمران المكان .

ومن وجهة القراءة عاد الفقيه إلى تنشيط القراءة، من بعد الوقت اليومي للمدرسة، من قبل صلاة المغرب إلى وقت صلاة العشاء، وتحول الجامع الأولي إلى مكان لصلاة الأمهات، وأيضا إلى مقر تعليم لمحاربة الأمية في الأوساط النسوية .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني