عيد الأضحى بالحياة الاجتماعية

بقلم : محمد حسيكي

عيد الأضحى كما يصطلح عليه دينيا، هو عيد إسلامي من أعياد الأمة، يقترن سنويا بأداء فريضة الحج الدينية، ومن ثمة جرى العمل به سنة مؤكدة من فريضة الدين, زكاها الإسلام شعيرة من أبو الأنبياء إبراهيم مع ابنه إسماعيل، من البيت المحرم الذي سماه للمسلمين، ومن الوجهة اليومية يقترن بوقت الضحى الموافق – العاشرة صباحا – وهو وقت وسط منتصف النهار بين الطلعة الشمسية ووقت زوال الظل الفضائي .

ومن ثمة أيضا تجري من وقت الضحى صلاة العيد، ونحر الأضحية، وتسمية يوم النحر عيد الأضحى، يحتفل به الحجاج من الهدي، وعامة المسلمين بالأضحية من مشارق الأرض ومغاربها .

عيد الأضحى بالمغرب :

يعرف عند عموم المغاربة باسم العيد الكبير، تيمنا بالتكبير على لسان الحجيج، من وقفة عرفات حجا مبرورا، وسعيا مشكورا للأمة بالعيد .

وعند عرب بني هلال، يعرف عيد النحر من اسم عيد اللحم، حيث تجتمع الجماعة بالمسجد من يوم عرفات، يرددون التكبير من يوم الوقفة بعرفات، ويقدمون النحر بساحة المسجد من غنم أو بقر أو ابل، ويوزعون اللحم هديا على الفقراء والأرامل والثكالى والعجزة، من ليلة العيد، نصيبا لهم من شعيرة عيد الأمة، ومنه تواتروا، لسانيا تسمية العيد والبيت المقدس، من اسم بيت لحم .

و بالحواضر السلطانية بالمغرب، فإن نحيرة البقر من يوم عرفات، تخصص لشرائح اللحم المجفف، الذي يطهى مع فائض الشحم، لتحضير مؤونة الخليع الدسمة، الذي يتم تصبيره وتجميده وادخاره بالبيت لوقت الحاجة من فصل الشتاء، وقت ولادة وهزال الماشية الرعوية، مما يرفع عنها حدة السكين، إلى أن تتجدد دورتها الدموية، من أواخر فصل الربيع، كما تتجدد الدورة الدموية للصائمين من شهر رمضان .

توقعات عيد الأضحى :

يتواتر المغاربة بعد صوم رمضان، حلول يوم عيد الأضحى على ذات اليوم من يوم صيامهم، وهي رؤية استباقية للحدث السعيد سابقة عن بيانات مخطط المؤقت من متابعته الفضائية المدار الشهري، بين عشية الرؤية وضحاها من العيد، إذ حدث عهد سهر ويقظة المؤقت ، أنه كان يشتغل بالحساب الفلكي على الرؤية الاستهلالية للفضاء، من غيابه من الأفق ومتابعة يوم استهلال شهر ذي الحجة، فإذا بولده يدخل الباب، وبعد أن تربع إلى جانبه خاطبه، أين وصلت بالبرج من حساب الكبش يا أبي ? فأجاب، قل حساب الرؤية يا ولدي ! فقال الولد للأب، نعمة الرؤية، لئن ضبطت يوم العيد من يوم صوم رمضان، وهو الرأي من القول العام! فأوضح له، يبقى القول قولا، ومن الرؤية يثبت الصوم ويثبت العيد .

ومن وجهة الحاضر الجاري به العمل، يبدي المغاربة استعدادهم المادي والاقتصاد في النفقة لعيد الأضحى، بعد عيد الفطر، حيث يتوقعون استقبال يومه، لأول يوم صومهم رمضان، تعظيما لسنته من الفرض، بينما تفعيل الاستعداد المادي يجري في العاشر من ذي الحجة، خلال العشر الأوائل من الشهر، حيث تفتتح الأسواق القروية والحضرية ومتاجر التبضع لشركات التموين، على مدى أيام الأسبوع، لاقتناء ماشية العيد، التي يغلب عليها من وجهة الفرد صنف الغنم، ثم الماعز، ويحسن في الأضحية بلوغها سن الحول- استبدال سن القصور بسن البلوغ -، بينما الأضحية القاصرة السن منهي عنها شرعا .

وخلال عشرية العيد تنشط الحركة التسويقية في المواشي، والأعلاف، والتوابل، والعديد من المواد المرتبطة باحتفالية البيت وأهله بالعيد، فضلا عن سهر المصالح الحضرية على النظافة العامة بالأسواق وبالحواضر، من مخلفات المواشي ويوم النحر، وهو يجري وجوبا على رب الأسرة سنة مؤكدة من الفرض، ينشرح له الصغار ويرتاح له الكبار .

ومن وجهة النحر، حافظ أهل المغرب على التوقيت المحلي الجاري به العمل، من حيث توقيت تأدية الصلاة اليومية، ومنها توقيت صلاة يوم العيد، والنحر بعد الصلاة .

والدتي من العيد :

احتفلت والدتي بأول عيد أضحى لها إلى جانب والدي، من عام زواجهما و وبداية عمل حياتهما بالسنة المؤكدة من الدين، وتزكية الحياة الأسرية بالبنوة المطيعة .

وكان الوالدان يقضيان العيد فرحا بما يجري من الحياة العامة، وسط أبنائهم وعائلاتهما، ينشدون الجمع والفرحة بيوم كبير من أعياد الأمة .

ويومها كانت التقاليد العائلية من يوم النحر، تجري بالتوجه إلى المصلى لتأدية صلاة العيد مع الجماعة، وخلالها يتقرب الوالد من امام الجماعة، ينشد منه أن يتفضل نحو البيت لإذكاء الأضحية، استحبابا في عمل الجماعة بالقدوة من الامام بالسنة المتبعة .

وبعد النحر، يتقدم الوالد لمباشرة عملية السلخ، حيث نلتم حوله لمساعدته في تقريب ما يحتاج إليه، من ماء وأدوات استبدال مطلوبة من عملية السلخ، وتفريغ الأحشاء، وبسط البطانة بالفضاء الشمسي للتجفيف، كما تأتي الوالدة بصحن لاحتواء الأحشاء الداخلية للنحيرة وتنظيفها، وفصل فؤادها عن مستخلصات أمعائها، وتطهير جوفها بالماء بعد سلخ الجلد عن اللحم .

وهكذا عاشت الوالدة أحلى أيام العيد مع الوالد والبنوة، إلى أن غيبته الوفاة، وغابت عنها منه المتعة السنوية بالعيد، ما استطعنا معه التعويض المعنوي إلا حضورها بيننا تشريفا لمقامها مع الأبناء، وإبداء سعادتها بأبنائها وحفدتها، الذين يهتدون ويتبعون الطريق بأسرهم على النهج من دينهم، والحياة التي تربوا عليها مع أبيهم .

صلاة يوم العيد :

تجري صلاة العيد من الوجهة المبدئية في المصليات وهي ذات حرم من العموم، وقد تجري من فضاءات المساجد العتيقة من صحوة الأمطار في المواسم الممطرة، وعهد اتساع العمران خارج أسوار المدن العتيقة، صارت صلاة العيد تجري بالمصليات العتيقة والمساجد معا .

وفي أجواء المراسم الملكية، يؤدي أمير المؤمنين، مرفوقا بولي العهد، والأمراء، صلاة العيد في موكب رسمي من القصر الملكي إلى المسجد، من ترتيبات دينية وحكومية، يحضرها أعضاء الحكومة ورئيسا البرلمان ورجال الدولة من مدنيين وعسكريين، فضلا عن سفراء البعثات الدبلوماسية الاسلامية المعتمدة لدى جلالته .

وبعد إقامة صلاة العيد، يتم الاستماع إلى خطبة العيد، التي تدور حول فضائل العيد الروحية والاجتماعية، إلى جانب الدعاء الصالح لأمير المؤمنين الساهر على السنة المتبعة والرمزية العيدية من الدين .

وإثر تأدية الصلاة يتقدم سفراء البلدان الاسلامية، الذين أدوا الصلاة للسلام على جلالته، ونقل تهنئة بلدانهم الدينية إلى مقام جلالته الكريم .

بعد ذلك يتقدم أمير المؤمنين إلى ساحة المسجد، حيث يتم نحر الأضحية بيده الكريمة، ثم يقتدي به الخطيب في نحر الأضحية الثانية، سيرا على نحيرتي الرسول، عملا و قولا مأثورا : هذا النحر عني، وهذا عن أمتي .

وبعد عودة أمير المؤمنين إلى القصر الملكي، يتقدم للسلام على جلالته ولي العهد والأمراء، ثم رئيس الحكومة ورئيسا مجلسي النواب والمستشارين، ومستشارو جلالته، والوزراء، وكبار الشخصيات المدنية والعسكرية .

وبمناسبة الاحتفال بعيد الأضحى المبارك، يتلقى جلالته برقيات التهاني من ملوك وأمراء ورؤساء الدول الشقيقة والصديقة، يعربون فيها عن تهانيهم لجلالته، ومباركتهم الشعب المغربي أفراحه العامة بالعيد المبارك السعيد .

وأخيرا عيد الأضحى يرمز لمدار السنة الهجرية، التي تبتدئ من مكة، والتي يحتفل فيها بالأضحى من فريضة الحج بالدين الاسلامي.

سهرة العيد التراثية :

العيد منذ ظهوره لعشرات القرون، لا يخلوا من مرح وسمر موروث بين الجموع، للترفيه على النفس، والتنشيط على الساكنة بالحركة اللافتة والأداء المرح، الذي يطبع الأجواء بالعرض المنوع، والتجوال الليلي الفكه الذي يميز يوم العيد، عن سائر الأيام بالراحة والانتعاش .

ومن السهرات الليلية التي تجري بالفضاء الطلق على الأضواء القمرية، التي توارث الأولون أداءها تراثيا أبا عن جد، سهرة أبو الجلود، التي تميزت بها تنظيما مدينة فاس من ساحة المدينة .

وهي سهرة عيد الأضحى التي انتشرت في كل ربوع المغرب، والتي يحييها الشباب والأطفال ويقودها الكهول، كما تجري على أنظار ومتابعة الشيوخ ومشاركتهم في الأجواء العامة، تتخلل ذا السهر الليلي عروض فكاهية وهزليات اجتماعية، ومحاورات روائية مصحوبة بمحاكاة من الدعابة، والفرجة القريبة من اهتمام المتتبعين، تنتهي بجولات متفرقة من الشباب والأطفال بأحياء المدينة، فيها شد ومرح ومتابعة لافتة بالفرجة والضجيج العام، حول شخصية أبو الجلود .

أبو الجلود :

شخصية ذات أدوار أسرية مرحة العرض من جد إلى جد، تحاكي بالهرمية والشموخ، مجريات فرحة العيد بالأرض، والتي يعكسانها في حلة يرتديان فيها ملابس جلدية، موضبة بعناية للعرض الفكاهي، تحاكي بدلات الأجداد من الجلود والأصواف من غطاء الرأس إلى كعبى القدمين، غرائبية عن الأنظار مسلية للأطفال والكبار، تظهر الشخص في هيئة تنكرية متخفية، ينشرح المشاهدون لرؤيتهما ويفكه الصغار من خطواتهما، يمسكان بيدهما ببطانة خروف جافة ونظيفة، يهش بها على الأطفال من التدافع والمراهقين الذين يلتفون حولهم في جولات عبر الأحياء، يبحثون عن مماس وهو من اللغة اسم حماس الطبخ وهو قدر فخاري من الطين، يحفز أبو الجلود الأطفال والشباب حوله على تقديمه زرادة لهم، كلما حل ببيت كريم من ربة بيت كريمة، مما يشجع الشباب على متابعة الجولة المرحة بالصدى الجماعي، وربات البيوت على تخصيص وجبة من الأضحية لطواف أبو الجلود، ومشاهدة تقديم الفرجة التمثيلية، المشخصة من متقمصا شخصية جد وجدة، اللذين يحييان ليلة الأجداد مع أبنائهم من الطبيعة القمرية، إلى الهجيع المتأخر من الليل .

واشتهر من الشخصيات الأدبية، التي كانت تسهر على تنظيم وإحياء الليلة الساهرة، من عيد الأضحى لفاس العامرة، طريف الانس وأديب العرف والقلم، الشيخ ذي الرمة، الذي كان ينشط رحلات الصيد السلطانية، وفرق أحياء ملحمة أبو الجلود التراثية .

أجواء العيد على المرئي والمسموع :

العيد كما يعيشه الفرد واقعا من المجتمع، يقدمه المجتمع صورة حية ناطقة، ومسموعة للفرد، والمجتمع في وصلات برامج وحلقات وجولات إعلامية، عبر المحطات والقنوات الفضائية، التي تصل رؤياها وصداها إلى الجالية المغربية بالخارج منتظمة من نغمات طرب أصيلة، وامداح جماعية صادحة، إلى صلوات تكبر الله تكبيرا، وتحمده كثيرا، وتتبادل فيما بينها تهاني الود والمحبة باليوم الجليل، التي يتقرب فيه الإنسان من أهله و بنيه وخالقه .

إذ بعد النحر يتهيأ الناس للجمع والحفل حول مائدة العيد، والحضور مع القريب، والتواصل مع البعيد، بالصوت والصورة مع الفرد والجماعة بالمباركة والتهنئة، فضلا عن الخروج بالصغار إلى حدائق الألعاب للأطفال والظهور بالساحات العمومية، مزينين بملابس العيد وأذواق على أشكال وألوان من المشتريات، إلى جانب الاستمتاع بأجمل الصور في أجمل المناسبات .

ولدى العودة إلى البيت تسهر الأسر وأفرادها، على إيقاع عشاء نغم بالسهر من البيت المدوي بالكلام الرشيق، وقسمات الضحك الأنيق، يحلو منه قصر الليل، ومتعة متابعة النظر من سهرة العيد، التي تجمع بين الموسيقى والسمر، وتتنافس في تقديمها محطات وقنوات الاتصال .

العيد والمجتمع :

العيد عموما هو يوم من أيام الفرد، والأسرة، والمجتمع، والأمة، منه الشخصي، ومنه الديني، ومنه المجتمعي، والذي يثير جدلا ماديا، و تحولا فكريا في إحيائه هو العيد الديني .

والعيد كما يصطلح عليه عموما، هو حفل اسرة المجتمع من فرح خاص وعام، بيوم له مكانة من أيام السنة، نحتفل به شرعا وحكما من مقام الأمة، ومقام المجتمع، ومن البيت والساحة الاجتماعية التي نتواصل منها .

غير أن الاهتمام بالعيد، الذي يتقاسم فيه الناس الفرحة، فيما بينهم ومع بنوتهم وأقاربهم، تعدى في زماننا فضاء الأسرة، إلى فضاءات المؤسسات السياحية، التي تنشد حركة التغيير نحو مجتمع جديد وشفاف، إذ أصبحت بدورها ترحب وتنظم عروضا مشجعة للأسر المغربية، لقضاء أجواء احتفالية ممتعة بالعيد، في نزل يحتفل بطقوس الأضحية في شكل جماعي، ينقل خصوصيات الأسرة من إحياء العيد بيومه في الفضاء السياحي، وسط جمع متعدد الأسر تتقدمهم الأضاحي التي تسرق الأضواء من هواتف الأفراد وعدسات الإعلام السياحي، الذي يبرز يوم الأضحى بفرق العزف المحلية من المزامير والطرق بالتطبيل، المدوي بالإيقاع وأهازيج الاحتفال، التي تبدي فرحة الأسر الخاصة بأجوائها الاجتماعية، أينما حلت وصارت تلفت النظر من السياح الأجانب الحاضرين من النزل، على مشهد غير متوقع من حلولهم بالبلد الذي يعيش طقوسه بتقاليد جديدة، والتي من المصادفة يعيشونها معهم بالحضور وينقلونها بالصورة مفاجأة سارة لبلدانهم وأقاربهم .

وهذا يعني أن العيد من أجمل أيام الإنسان المغربي، من ماض مجيد، وحاضر متجدد، لمن عاش في بلاد الغربة، وقدم لأجل إحياء العيد مع أسرته الصغيرة، وأسرته الاجتماعية، من بيت يأويه أو نزل يقيم فيه .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني