بقلم عبد المجيد مومر (موميروس)
قبل البدء؛
إنّ الخروج من “عنق الزجاجة”، كثيرا ما يبدو مَرهونًا، باللجوء إلى وسائل أخرى، لِكَسر عنق الزجاجة ذاك. غير أنه؛ غالبًا ما يحصل هذا، دون استحضار إمكانية الدخول، في عنق زجاجة أخرى!.
الفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري
أما بعد؛
أَسْتَفتح صرفِ المَعاني المُسْتَرْسَلَة، الواردة بين تَراكِيبِ مقالة التَّحْيِين. بِتَدوين المَعلوم، منْ دَلالاَت التّأَمُّلِ الرّزين، في فَرضيات الجَوابِ الفلسفي الكَمين. أَيْ؛ عمَّا هو موقف محمد عابد الجابري، من ركوب حلف “الكتلة الدَّائِخِيَّة”، على بنات أفكار أطروحته اليسارية. تلكم؛ المتعلقة بشكل و موضوع و هوية الكتلة التاريخية، أيْ لِمَ التكتل وَ مَعَ مَنْ وَ إلى أَيْنَ؟!.
مِنْ ثَمَّ؛ فَبِمَا أن المرحوم بمشيئة ربّه، قد إنتقل إلى جوار الرفيق الأعلى. فقد لن يتيَسَّر لنا، إستِقراءُ الجواب الفلسفي المتين. عَدَا بكشفِ الغطاءِ عن الصيغة الأخيرة، التي اعتمدها العَلَمُ الراحل محمد عابد الجابري. ذلك؛ قصد تِبيَانِ غاياتِه الثقافية، وَ تَبْيِينِ أهدافه السياسية، المنشودة من تشكيل تآلُف الكتلة التاريخية.
حيث؛ أن الفيلسوف الراحل، و في مقالة عربيةِ مُميزة. إختار لها العنوان التالي، “الكتلة التاريخية و أَوْلَوِية الثقافي”. قد أَصَرَّ الفقيد فيها؛ على أن الغاية الفضلى لهاته الكتلة المعلومة، تتجَسد في بلوغ المجتمع مرحلةً، تفتقد فيها التصنيفات الحزبية القديمة أهَمّيَتها و مُبرِّرَها. ممّا يتيح الفرصة التاريخية، لظهور تيارات ثقافية و إيديولوجية جديدة، تخرج من جوف الكتلة كَكُل لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا.
و بالاستناد المنطقي؛ على ما سبق بسطُه، قد تتضح لِمَن إختلط عليه الأَمْرُ، ماهيّة الكتلة التاريخية. و التي قد أرادَها الجابري؛ وسيلةً و آلية مَدَنِيَّةً، كَفيلَةً بتَيْسير إيناعِ مشاريع مجتمعية جديدة. من حيث أن هذا الإصطفاف التاريخي، ليس غاية في حد ذاته. بل القَصدُ و المُرادُ، بعد الوعي بكُنْهِ مفهومه. يتَحدّد بالفسح في المجال السياسي، أمام صعود مشاريع مجتمعية، وطنية عقلانية جديدة. مشاريع سياسية علمية؛ تكون مؤهلة و قادرة، على إحقاق التجاوز الثقافي. سواء تعلق الأمر بإكراهات الحاضر(التَّأَخُّر)، أو بتحديات المستقبل (التقدم).
إذن و منه قد نستنتج؛ قُطْرَ الثُقْب المعرفي، عند جماجم الكتلة الدَّائِخِيَّة. إينعم؛ تلكم الجماجم المُتَعَلِّقة بِأهداب الخرافة السياسوية، و هي تتجنى على سؤال الحاجة إلى الكتلة التاريخية.
فلهكذا؛ لَوْ بُعِثَ الآنَ، فقيدنا الجابري حَيًّا. لَتَمَنْطَقَ عقل المرحوم، بِالبَيان و البُرهانِ و العِرفانِ. وَ لَظَهرَ؛ طَائِفُ الفيلسوفِ الوطني اليساري، مُتَأَبِّطًا مَدْخَلَهُ الرّحْبَ إلى دراسة القرآن. تالله؛ لمَا رَخَّصَ لزبانية التديُّن الخرافي، بالركوب المُبْتَذَل على أطروحة الكتلة التاريخية. في نسختها المُعَرَّبة، المُقْتَبَسَة من النظرية الغَرامْشيّة.
ذلك؛ بما أن الجابري صائِغُ فِكرتها الذهبية، في سياق زمني ينتمي إلى القرن الماضي. ثم قد كانَ؛ وَ قامَ الفيلسوف الراحل، بإعادة تنقيحِ المفهوم، من بعض التأويلات السياسوية المُشَوَّهَة. بعد أن إستفاض في شَرحِه التثقيفي، الذي يناقض مذهب المولُوعين بتَلْفيقاتِ الكُتلة المُفَوَّتَة.
فَلَحتّى أن الجابري؛ قد بَيَّنَ لنَا و لهُم الإحداثيات الإصلاحية، لِمشروع كُتْلَتِه المنشودة. و التي قد أرادها الفقيد، أن تكون أهدافًا وطنية تقدمية، تقارب تطلعات المجتمع ككل. و ذلك؛ عن طريق تحقيق “الإجماع الثقافي” حولها، هذا “الإجماع التشاركي” الذي يشكل لحام كتلة الجابري. و لعله الركن الأساسي المفقود، بين البُنَى المُتراكِبة داخل عقل التديُّن الخرافي.
أَيْ أَنّهُ؛ قد لخَّص أهداف كتلته التاريخية. فجاءت ثلاثية الخلاص، بضرورة إحقاق التنمية الشاملة و الديمقراطية و الاستقلال الثقافي. و هَا نحنُ؛ نعتمد على تقنية الإستعاضة، عند دَحضِ أراجيفِ الكتلة الدَّائِخِيَّة. من حيث أن التأصيل الثقافي، لمفهوم كتلة الجابري. يفرض على التنظيمات المُؤَدلجة لِنِعمة الإسلام، واجبَ التّحرر من شَرنَقة التَّديُّن الخرافي. بعد أن سَجنَت فيها وَعْيَها و رُشدَها، دون أن تتمكن من الارتباطِ ارتباطًا جديدًا حيًّا و فاعلاً، بأولويات المجتمع المغربي. و أيضا؛ دون أن تتقبل ميثاق التنوع البشري، من أجل بعث الحركة في المجتمع من جديد.
و على درب التِّبْيانِ و التَّبْيِين، سَأَغوصُ في أعماق التَّنقيبِ المبين. ذلك؛ عند مقاربة مُحْتَمَلات “الإجماع الثقافي”، التي يمكن تحقيقها مع جماعة التدين الخرافي؟!. أَو؛ لهكذا وفق صيغة مُحَيَّنَة، سأتساءل عن الفائدة الوطنية و الديمقراطية، المَجْنِيَّة من زَقُوم “الكُتلة الدَّائِخِيَّة”؟!. بما أنها الكتلة الجامعة، لشمل الخرافة بالعدم السياسوي. و مِنها القومة البالية، المَدحورَة بِهَوانٍ. ذلك؛ بعدَ أنْ ضُرِبَت، على جماعتها الذِّلَّةُ و المَسْكَنَةُ.
و سيَكْفِيكَهُم عيبُ القصور الذاتي، عند سَدَنَة “الخرافة المطْفِيّة”. التي تريد عرقلة السير التقدمي، للتجربة الديمقراطية الدستورية الفتية. بل؛ قد كانت عُقْدَةِ التَّمكين الدنيوي، لدى الإخوان الحالمين. مصدرَ رغبتهم الجامِحة في الحكم، دون أن يمتلكوا مفاتيح التغيير المجتمعي الحضاري.
فَيَا قَوْمِي؛ كيف السبيلُ إلى تأمين “الاستقلال الثقافي”، و نحن في مواجهة تنظيمات خرافية بَالِيَّة؟!. تنظيمات مُسْتَلَبَةُ الإرادة و المنطق، خَاوِيّة أفكارها مُتَقَادِمة و عقلها رميم. حتى قد تم نَسخ أمانيها، فلهَا تَبَعيّةٌ مشبوهة لحاضنة “الخلافة الأمَمِيَّة”. ذلك؛ سواء تعلق الأمر، بمَقاصدِها السياسوية القاصِرة الدَّخيلة. أو؛ فيما يَخُص مواقفها المتجنية على الميثاق الأسمى للأمة المغربية، و على وحدته الترابية. و على روافده الثقافية، المشكلة للهوية الوطنية الجامعة. و كذا مواقفها التجزيئية؛ لمنظومة حقوق الإنسان بصفة عامة، و لحقوق المرأة بصفة خاصة. ذلك؛ بِمَا أن تأمين “الإستقلال الثقافي”، يقتضي مواجهة “الاختراق الثقافي”. هذه المهمة التاريخية؛ التي لا تتطلب مواجهة الآخر فحسب، بل أيضا مواجهة الأَنَا و أَنانِياتِها و أَوْهامِهَا. كما أكد على ذلك الفقيد المفكر، ناقد العقل العربي.
و عِنَد طيب الخَتْمِ؛ فلا محيد لنا، عن التَمَعَّن العميق و الدقيقِ. في عقلانية الكتلة المُستَقاة، ممّا جَادَت به مَلَكَةُ المَعرِفَة، عند الفقيد محمد عابد الجابري. كيْ نستطيع تطوير برمجيات تُراثنا الحزبي اليساري الوطني. عبر الرفعِ الثقافي، من قيمة التحالفات السياسية الفَذَّة. و لهكذا؛ رَاقِيَّةً بعيدًا عن المَسْخِ الخرافي، لفكرة الكتلة التاريخية.
عبد المجيد مومر (موميروس)
رئيس اللجنة التحضيرية لحزب الإختيار و الإنتصار
Abdulmajid Moumĕrõs




