نقف في موضوع هذا اليوم المبارك، عند آية عظيمة، وهي آية الصيام التي ذكرها الله تعالى في سورة البقرة:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”
وفي الصيام فوائد كبيرة، روحية وأخلاقية وصحية، وقد جعل الله تعالى الصيام في هذه الآية الكريمة، خطابا نورانيا إيمانيا، يعيش به أهل الإيمان من خلقه، وهو باب من أبواب الدلالة على التقوى والقرب من الله.
يقول ابن عجيبة، في كتاب البحر المديد؛ وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل مَعْدُوداتٍ ، فلا يهولـكم أمره، فمنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا يشق عليه الصيام، أوْ على سَفَرٍ فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر مِنْ أَيّام أُخَرَ بعد تمام الشهر، وَعلى الذِينَ يطِيقُونهُ بلا مشقة، إن أرادوا أن يفطروا فِدْية وهى: طَعامُ مِسْكِينٍ: مُدٍّ لكل يوم.
كُتب عليكم الصيام عن الحظوظ والشهوات، كما كتب على مَن سلك الطريق قبلـكم من العارفين الثقات، في أيام المجاهدة والرياضات، حتى تنزلوا بساحة حضرة المشاهدات، لعلـكم تتقون شهود الكائنات، ويكشف لـكم عن أسرار الذات، فمن كان فيما سلف من أيام عمره مريضا بحب الهوى، أو على سفر في طلب الدنيا، فليبادِرْ إلى تلافِي ما ضاع في أيام أُخر، وعلى الأقوياء الذين يطيقون هذا الصيام، إطعام الضعفاء من قوت اليقين ومعرفة رب العالمين. فمنْ تطوع خيراً بإرشاد العباد إلى ما يقوِّي يقينهم، ويرفع هممهم فهو خير له.
يضيف ابن عجيبة، أما صوم العوام: فهو الإمساك عن شهوتي البطن والفَرْج، وما يقوم مقامَهما من الفجر إلى الغروب، مع إرسال الجوارح في الزلات وإهمال القلب في الغفلات. وصاحبُ هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع، لقوله صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أنْ يدع طعامَه وشرابه”، وأما صوم الخواص: فهو إمساك الجوارح كلّها عن الفَضول، وهو كل ما يشغل العبد عن الوصول، وحاصله: حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما لا يعنِي. وأما صوم خواص الخواص: فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب، وحفظ السر عن الوقوف مع الغير، وحاصله: الإمساك عن شهود السّوى، وعكوفُ القلب في حضرة المولى. وصاحب هذا صائم أبداً سرمداً. فأهل الحضرة على الدوام صائمون، وفي صلاتهم دائمون.
ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: إن الله تعالى يقول مخاطبا للمؤمنين من هذه الأمة وآمرا لهم بالصيام ، وهو : الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل ، لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة .
وذكر تعالى أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم ، فلهم فيه أسوة ، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك ، كما قال تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات ) [ المائدة : 48 ] ، ولهذا قال هاهنا : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان ; ولهذا ثبت في الصحيحين : ” يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ” ثم بين مقدار الصوم ، وأنه ليس في كل يوم ، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه ، بل في أيام معدودات . وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيام ، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان ، كما سيأتي بيانه . وقد روي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا ، من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعطاء ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم . وزاد : لم يزل هذا مشروعا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان .
الصيام مدرسة إيمانية عظيمة، ومعراج إحساني تتنعم فيه الأرواح بنفحات خاصة وتتنزل على قلوب الصائمين المؤمنين، فعلى المسلم أن يعيش هذا الشهر الفضيل باجتهاد في الطاعات وترك المنكرات والتقرب إلى الله تعالى.. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.




