من أجل يسار حقوقي وطني!

 

*الصادق بنعلال:

أ – من الواضح أن عنوان هذا المقال الوجيز بالغ الوضوح، فنحن لا نوجه حديثنا إلى السيد عزيز باعتباره مواطنا مغربيا مشخصا، بقدر ما نروم التعبير عن رأينا المتواضع إزاء قضايا مجتمعية وطنية مفصلية يتعاطى معها بقدر كبير من الاندفاع، ولعل هذه هي النقيصة التي أصابت التيارات اليسارية الجذرية المغربية في مقتل منذ عقود. لكن بادئ ذي بدئ لا بد من الإشارة إلى أننا نكن كل الاحترام للسيد غالي والجهد الحقوقي، الذي يبذله بلا ملل من أجل تجويد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمواطنين المغاربة، كما أنه ليس من أهدافنا أن نقف في وجه من يعلن عن مواقفه إزاء الذات والمجتمع والوطن والإنسانية جمعاء، إذ أن حرية التعبير غاية أسمى ضحى من أجلها أحرار العالم في كل القارات “بالغالي والعزيز” قصد بناء فضاء بشري تسود فيه قيم الحرية والعدالة والكرامة.

ب – بيد أنه من المتفق عليه في أدبيات الفكر الحقوقي الكوني أن لحرية التعبير حدودا وخطوطا ليس من الصواب اجتيازها، لما لهذه المغامرة غير محسوبة العواقب من نتائج وخيمة ومكلفة بالنسبة لحياة الفرد والمجتمع. ولئن كان رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الحالي، وباقي المنتمين للتيارات اليسارية الراديكالية، يبررون خرجاتهم الإعلامية و تصريحاتهم المثيرة للجدل كونهم ينطلقون من المنظومة الإنسانية الكونية، المناصرة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والأعراف والمواثيق والقوانين الأممية، فإن قوانينها التنظيمية وقيمنا الثقافية والحضارية ودستور المملكة المغربية، كل ذلك لا يتعارض مع جوهر وروح هذه “الضوابط” الإنسانية، لكنها تتقاطع معها في ثوابت ومحددات الأمة والدولة المغربية، التي يقر دستورها: الديباجة/التصدير (المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية … كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء). وهذا يعني من جملة ما يعني أن المعطى الثقافي الوطني الصلب يزكي رؤية وأداة، هذه الثوابت التي يتقاسمها المغاربة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، على رأسها تبجيل واحترام ديننا الإسلامي الحنيف، والوحدة الترابية والملكية الدستورية، لذلك أذكر السيد عزيز غالي ورفاقه في درب النضال اليساري بإعادة النظر إن أرادوا طبعا، في “مفرداتهم” اللغوية، وآرائهم غير المطابقة للواقع الديني والترابي الوطني والمتعارضة مع قناعات المغاربة.

ج – بل إن مكون اليسار “التقدمي” المتجاوز في حاجة ماسة اليوم قبل الغد إلى مراجعة مفاهيمه وأوهامه وشعاراته الرومانسية، إزاء المشترك الوطني ليخرج من عنق الزجاجة، ويزيح عنه آثار التكلس والجمود والتطرف كي ينعتق من “العالم الآخر”! إن المغاربة – أمازيغ وعربا – مسلمون معتدلون مسالمون، يرنون إلى مغرب قوي موحد تنصهر فيه مقوماته المختلفة في سياق مجتمعي صلب، يضمن قيم الحرية والمساواة والأخوة والكرامة، وتوزيع محكم للثروة وإقلاع تنموي شامل يوفر فرص الشغل، ويحارب بلا هوادة مظاهر الفساد والاستبداد، كل ذلك مع الانفتاح على العالم الخارجي بقدر كبير من الثقة في النفس، واحترام المواثيق الدولة الراجحة.

*إطار تربوي – باحث في قضايا الفكر والسياسة

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني