شهدت جلسة مجلس المستشارين، يوم الاثنين 3 فبراير 2025، مناقشة مستفيضة لمشروع القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بشروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، حيث اعتبر الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية أن المشروع، في صيغته الحالية، يثير العديد من الإشكالات القانونية والعملية التي تستوجب مراجعة شاملة حفاظًا على التوازن بين حقوق العمال ومتطلبات استقرار سوق الشغل.
وأكد الفريق الاشتراكي، خلال مداخلته، أن الإضراب ظل منذ الاستقلال أداة مشروعة للدفاع عن حقوق الطبقة العاملة وتحسين أوضاعها، وهو ما يجعل تقنينه أمرًا حساسًا يتطلب تحقيق توازن دقيق بين الحقوق الدستورية ومصلحة الاقتصاد الوطني. ولفت إلى أن التعريف المحدود الذي يقدمه مشروع القانون لهذا الحق لا يعكس الواقع الحقيقي لسوق الشغل المغربي، حيث يقتصر على الأجراء الخاضعين لقوانين الشغل والوظيفة العمومية، متجاهلًا فئات واسعة تنشط في الاقتصاد غير المهيكل، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي تؤكد على شمولية هذا الحق وربطه بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.
وعلى المستوى التقني، انتقد الفريق الاشتراكي البنية القانونية للمشروع، مشيرًا إلى تكرار المواد وعدم وضوح النصوص المتعلقة بالعقوبات، مما يخلق غموضًا قد يؤثر على حسن التطبيق. كما أن المشروع، حسب مداخلة الفريق، لم يبرز بشكل كافٍ التزام المغرب بالمواثيق الدولية، وهو ما يستوجب مراجعة دقيقة تضمن تناغمه مع الدستور والاتفاقيات الحقوقية التي صادق عليها المغرب.
ومن بين أبرز النقاط التي أثارت الجدل خلال الجلسة، مسألة النصاب القانوني المطلوب لعقد الجمع العام واتخاذ قرار الإضراب، حيث اعتبر الفريق الاشتراكي أن النسب المحددة في المشروع مرتفعة جدًا، مما يشكل عائقًا حقيقيًا أمام ممارسة الحق في الإضراب، خصوصًا في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما أن منح الحق في إعلان الإضراب للنقابات الأكثر تمثيلية فقط، يعد تقييدًا لمبدأ التعددية النقابية، ويهدد قدرة النقابات المستقلة على الدفاع عن مصالح أعضائها.
وفيما يخص العقوبات المقترحة، حذر الفريق الاشتراكي من أن فرض غرامات ثقيلة وتجريم بعض أشكال الإضراب من شأنه أن يشكل تراجعًا عن المكتسبات الحقوقية في مجال الحريات النقابية، مؤكدًا أن اعتماد مقاربة زجرية بدل آليات تصالحية سيكون له تأثير سلبي على العلاقات المهنية.
كما دعا الفريق الاشتراكي إلى ضرورة مأسسة الحوار الاجتماعي عبر قانون إطار يحدد التزامات واضحة لكل الأطراف، بما يضمن استدامة الحوار بغض النظر عن تغير الحكومات، معتبرًا أن غياب هذا القانون يساهم في هشاشة العلاقة بين الشركاء الاجتماعيين ويؤدي إلى نزاعات متكررة تؤثر على استقرار سوق العمل.
وأشار المستشارون إلى أن تقوية العمل النقابي يجب أن تتم عبر توفير ضمانات حقيقية لحرية الانتماء النقابي، وفرض رقابة مالية على النقابات، إضافة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للانتخابات المهنية لضمان تمثيلية حقيقية للطبقة العاملة. كما انتقدوا ما وصفوه بـ “بدعة التنسيقيات”، التي ساهمت في إضعاف المشهد النقابي، حيث فتحت الحكومات السابقة المجال للتفاوض مع مجموعات غير مؤطرة نقابيًا، مما أثر سلبًا على دور النقابات التقليدية في قيادة الحركات الاحتجاجية.
وأكد الفريق الاشتراكي أن قانون الإضراب لا يمكن مناقشته بمعزل عن قانون النقابات وقانون الحوار الاجتماعي، مشددًا على أن تحقيق التوازن بين هذه القوانين الثلاثة ضروري لضمان عدالة اجتماعية واستقرار اقتصادي، حيث يجب أن يحدد قانون الإضراب إجراءات واضحة لممارسة هذا الحق، فيما يعزز قانون النقابات دورها في تأطير العمال، ويضع قانون الحوار الاجتماعي إطارًا لتسوية النزاعات قبل اللجوء إلى الإضراب.
واختتم الفريق مداخلته بالتأكيد على ضرورة مراجعة المشروع الحالي بما يتماشى مع المعايير الدولية وخصوصيات المجتمع المغربي، معتبرًا أن الإضراب ليس مجرد وسيلة احتجاجية، بل مؤشر على مدى نضج العلاقة بين الشركاء الاجتماعيين، مما يستوجب تنظيمه بطريقة متوازنة تحمي الحقوق النقابية وتحافظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.




