في الجزائر، يستمر العرض المسرحي الكبير الذي بطله الرئيس عبد المجيد تبون، الغائب الحاضر، الذي يوقّع المراسيم ويغيّر الوزراء، بينما يظل اختفاؤه لغزاً لا يفك شفرته سوى نشرات الأخبار الرسمية. فها هو، يوم الخميس، يعلن عبر بيان من الرئاسة تعيين سيفي غريب وزيراً أول خلفاً لنذير العرباوي. لكن السؤال الذي يطرحه الجزائريون همساً وعلناً: من رأى تبون وهو يوقّع؟ ومن حضر؟
تبون لا يحتاج أن يظهر، يكفي أن تصدر بيانات باسمه لتتحرك كراسي الحكم في صمت. فالرجل اكتفى منذ وصوله إلى السلطة بظهور متقطع، أشبه بومضات عابرة في سماء غائمة. حتى صار الجزائريون يصفونه بـ”الرئيس الغائب الحاضر”، يقرر عن بُعد، وكأن البلاد تُدار بالريموت كونترول.
العرباوي الذي لم يكمل عامين في منصبه، وجد نفسه خارج اللعبة بسرعة البرق، ليحل محله سيفي غريب، الرجل القادم من وزارة الصناعة، المعروف بخطاباته عن “تقليل الاعتماد على الواردات”، وكأن الاقتصاد الجزائري لا يعرف إلا الاستيراد والتصدير.
لكن ما يثير السخرية ليس التغيير في حد ذاته، بل الطريقة الباردة التي يُدار بها المشهد: بيان مقتضب، توقيع لا أحد يراه، وصورة غائبة للرئيس الذي أصبح حديث الجزائريين أكثر من قراراته. فهل يعقل أن يعيش بلد بحجم الجزائر في حالة “حكم عن بُعد”؟ أم أن تبون وجد في الغياب راحة تامة من وجع الأسئلة وضغط الواقع؟
بينما يضحك البعض بمرارة، يرى آخرون أن “جمهورية المراسيم” هذه لن تغيّر شيئاً في الواقع المأزوم، حيث الفساد متجذر، والشباب محبط، والاقتصاد راكد. التعيينات تتغير، لكن تبون يبقى كما هو: رئيس لا يظهر إلا عبر أوراق رسمية، وكأن حضوره الشخصي أصبح رفاهية لم تعد البلاد تحتاجها.







