معادلة جديدة بين تطبيق القانون وحماية حقوق الأشخاص: الوكيل العام يربط بين برقيات البحث وحماية الحريات الفردية

 

محمد الشرقاوي

في إطار التزامات المغرب الدولية والوطنية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان، جاءت توجيهات هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، من خلال الدورية التي بعثها إلى الوكلاء العامين ووكلاء الملك.
الدورية المذكورة، تعتبر مذكرة جذرية في التعامل مع برقيات البحث الصادرة في حق الأشخاص، والتي تطلب من الوكلاء العامين ووكلاء الملك ترشيد استعمال هذه البرقيات، ونصت الدورية على التزامات المغرب الحقوقية، التي تربط بين تنفيذ القوانين وحماية الحريات الفردية.
وبالنظر لهذه الرؤية وهذا النهج حملت الدورية عنوان “ضرورة ترشيد استعمال برقيات البحث الصادرة في حق الأشخاص، بما يضمن التوفيق بين متطلبات العدالة وحماية الحقوق والحريات الفردية”.
ومن أجل حماية حقوق الأفراد وخصوصياتهم شددت الدورية على عدم نشر برقية البحث إلا في حالة الضرورة القصوى، مع الحرص على تحيينها بشكل دوري وإلغاء تلك التي أصبحت متقادمة أو فقدت مبرراتها القانونية، وفق ما جاء في الدورية.
وفي إطار الالتزام بالمنظومة الحقوقية تبين أن الهدف من هذه الدورية هو الحرص على تفادي المساس غير المشروع بحرية الأفراد، وحماية سمعتهم من أي أضرار قد تترتب عن استمرار نشر برقيات لم تعد لها جدوى، إذ كثيرا من البرقيات تسيء للأفراد رغم أنها أصبحت متقادمة وبالتالي تكون عنصر إساءة للناس دون أن تكون لها وظيفة قانونية.
ولم تأت الدورية ضمن سياق الدوريات العادية، ولكن جاءت في إطار واضح قصد تعزيز دور النيابة العامة في تكريس الضمانات الدستورية المرتبطة بقرينة البراءة وصون الكرامة الإنسانية.
وتأت هذه الدورية منسجمة مع التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل القضاء في خدمة المواطن، ومع مقتضيات القانون التي تنص على أن الحرية هي الأصل، والاعتقال أو التقييد استثناء يخضع لمراقبة صارمة.
وينص الفصـل 19 من الدستور على أنه “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها”.
وينص الفصـل 23 من الدستور “لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون. الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري، من أخطر الجرائم، وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات.
ويجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت. ويحق له الاستفادة، في أقرب وقت ممكن، من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأقربائه، طبقا للقانون.”
وانسجاما مع فصول الدستور جاءت هذه الدورية التي تهدف إلى تحديث وتطهير سجل برقيات البحث من كل الحالات التي تجاوزتها الإجراءات أو تم حسمها قضائياً، وهو ما من شأنه أن يرفع من فعالية العمل القضائي، ويعزز ثقة المواطنين في عدالة بلادهم ومؤسساتها.
وحسب كل المتتبعين فإن هذه الدورية تعتبر لبنة إضافية في مسار تحديث الممارسة القضائية وضمان التوازن بين مقتضيات الأمن القضائي وحماية حقوق الأفراد.
ومن شأن هذه الدورية أن تضع حدا لكثير من الممارسات التي تخالف مقتضيات الدستور والتدابير القانونية، ومن شأنها أيضا المعادلة بين تطبيق القواعد القانونية واحترام الحقوق الفردية للأشخاص.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني