الرباط: كواليس،
ما كان أحد ليتوقع أن احتفال اتصالات المغرب بمرور خمسين سنة على المسيرة الخضراء، سيتحول إلى جدل وطني حول معنى الهوية واحترام الرموز.
فبدل أن يكون إطلاق الهوية البصرية الجديدة للشركة مناسبة لإبراز الاعتزاز بالوطن، تحوّل إلى موجة انتقاد عارمة بعدما لاحظ الجميع أن كلمة “المغرب” في الشعار الجديد كُتبت بحروف صغيرة، في خطوة اعتبرها كثيرون إهانة رمزية غير مبررة.
في زمنٍ يعيد فيه المغرب ترسيخ مكانته على الساحة الدولية ويحقق مكاسب دبلوماسية متتالية دفاعاً عن وحدته الترابية، جاء هذا “الاختيار الجمالي” ليبدو نشازاً وسط موجة الفخر الوطني التي تعيشها البلاد. فبينما كان المغاربة ينتظرون هوية بصرية تعبّر عن القوة والتجذر، اختارت الشركة مظهراً بصرياً أقرب إلى الحياد البارد، خالٍ من روح الانتماء والعمق الرمزي الذي يحمله اسم “المغرب”.
والمفارقة الصارخة في كل هذا، أن اتصالات المغرب التي تُحصي أرباحاً بملايير الدراهم سنوياً، وتستفيد من جيوب ملايين المشتركين في كل ركن من الوطن، عجزت عن إنتاج هوية بصرية محترمة تليق بمكانتها وولاء زبنائها.
شركة تُغرق السوق بإعلانات فخمة، وتتحكم في عصب الاتصالات الرقمية، لكنها قدّمت للعالم شعاراً باهتاً، وكأن من صممه متدرّب في أول أسبوع من مساره المهني.
كيف يعقل أن مؤسسة تملك هذا الحجم من الموارد والعقول والقدرات، تُنتج رمزاً يُثير السخرية بدل الاعتزاز؟ إنها ليست مسألة ذوق فني فحسب، بل سقطة مؤسساتية تختزل غياب الحس الوطني داخل بعض دوائر القرار التجاري، حين يُختزل الوطن في “لوغو” يُسقط هيبته بحرف صغير.
بعيداً عن التفاصيل التقنية، فإن المسألة هنا تتجاوز الشكل إلى الجوهر. لأن الهوية البصرية ليست مجرد خطوط وألوان، بل هي مرآة للوجدان الجماعي، ومتى تم العبث بها، انكسر المعنى الذي توحّد حوله الناس. وكتابة اسم الوطن بحروف مصغّرة ليست مجرد “تجديد” أو “أسلوب تصميمي”، بل رسالة مبطّنة تجرّد الاسم من هيبته وتفرغه من رمزيته، خصوصاً حين تصدر من شركة وطنية وواجهة اقتصادية تعدّ من رموز الدولة الحديثة.
المشكل أن لغة التسويق الحديثة، حين تُفرغ من حسّها الثقافي، قد تتحول إلى أداة مسخ بدل أن تكون وسيلة تحديث. فليست الحداثة في تصغير الأسماء أو كسر الهيبة البصرية للرموز، بل في الجمع بين المعاصرة والاعتزاز بالهوية. من السهل أن تواكب الموضة، لكن الأصعب أن تحفظ كرامة الرمز وسط ضجيج “البراندينغ” وعبادة الشكل.
لقد انتظر المغاربة من اتصالات المغرب أن تُجسد روح المسيرة الخضراء بما تحمل من معاني التضحية والوحدة والكرامة، فإذا بها تقدم نموذجاً مرتبكاً لا يليق بحجم المناسبة ولا بعمق الاسم الذي تحمله. وربما كانت الشركة تريد أن تبدو حديثة ومنفتحة، لكنها نسيت أن الحداثة الحقيقية لا تبدأ من محو الرموز، بل من صونها.
الدرس واضح: في بلدٍ عريق مثل المغرب، الرمز ليس مجرد تفصيل جمالي، بل جزء من الذاكرة الوطنية. وكل من يعبث بتلك الرموز، حتى عن حسن نية، يُسهم من حيث لا يدري في إضعاف الرابط العاطفي الذي يجمع المغاربة بوطنهم. فالمغرب الذي كتب اسمه التاريخ بأحرف من ذهب، لا يليق أن يُكتب بحروف صغيرة على ملصق دعائي.






