هكذا جر المهدوي لجنة مجلس الصحافة لمحاكمة الفرجة

بقلم ذ: زكريا برعلا

بمجرد أن يفتح حميد المهدوي عدسة الكاميرا ينطلق تلقائيا عداد أخطاء لا يكاد يتوقف، مسجلا عثرات تتجاوز حدود الزلة اللفظية، وما يبعث على الاستغراب هو صدور هذا الكم من الانزلاقات عمن يقدم نفسه في كل مناسبة بصفة الصحفي العارف بالقانون والمدافع عنه، واضعا نفسه في حالة تنافر مع أبجديات الممارسة الصحفية الرصينة التي يزعم الانتساب إليها، وهو تناقض يظهر بوضوح حين يخاطب متابعيه بعبارته المعتادة : خوتي المغاربة ستكون حلقة للتاريخ ! متجاهلا أن مفهوم الحلقة في العرف المهني يخضع لهندسة ناظمة وتصور مسبق ضمن برنامج محدد الأهداف، بينما يقترب ما يقدمه المعني بالأمر من مفهوم الحلقة في موروث ساحة جامع الفنا والمواسم التقليدية حيث تحضر الفرجة والمتعة الآنية وتغيب الصرامة المهنية.

لا يمكن تفسير هذا الإصرار على البث المكثف عبر يوتوب لساعات طوال وبشكل يومي بذريعة الرسالة الإعلامية، بل يبدو الأمر محكوما بمنطق العائد المادي وخوارزميات المنصات، حيث يتشابه الخطاب هنا مع محتوى الحكواتي البوليسي الخراز في سباق المشاهدات، إذ لا توجد مدرسة إعلامية في العالم تبيح لصحفي إغراق الفضاء العام بهذا الكم الهائل من الكلام المرسل، فهل يعقل أن تستحق قضايا المغرب ضخا إعلاميا تعجز عنه كبريات غرف الأخبار في واشنطن وموسكو وبكين، أم أن الأمر لا يعدو كونه ملء الفراغ بأي ثمن، وهو فراغ يزيده اتساعا غياب صوت الحكمة لدى المحيطين بالمهدوي، فلا أحد يهمس في أذنه بضرورة التريث ومراجعة الذات بينما يأخذه تيار الأخطاء بعيدا عن المهنة العريقة.

بالموازاة مع هذا التخبط المهني يلاحظ متابعوا المهدوي سلوكيات جسدية منفرة كالتجشؤ أمام الكاميرا أو إصدار أصوات تثير الاشمئزاز وحركات غير لائقة، وهي أمور تندرج ضمن أبجديات الذوق العام قبل أن تكون موضوعا للمساءلة المهنية، لكنها تؤكد انتقال المشهد من الصحافة إلى الاستعراض غير المنضبط، وما يزيد الصورة قتامة هو التلويح ببلاغات تضامنية ليست في حقيقتها سوى تصفية حسابات من جهات سياسية كحزب العدالة والتنمية، وجدت في منصته المليونية وسيلة لمناكفة السلطة بعد انحسار الأضواء عنها، موظفة محنة الناشر لتسجيل نقاط سياسية بينما يعتقد هو بانتصارهم لمهنيته، والحقيقة أن الجميع يرقص على إيقاع مصالحه الخاصة في مشهد سوريالي.

يمتد هذا الخلط ليجعل من المنصة محكمة موازية يخاطب فيها المتحدث القضاء والنيابة العامة، محاولا قول ما عجز عنه داخل القاعات ومنصبا جمهوره كشهود عيان في قضايا يجهلون تفاصيلها، بل ويصل الأمر حد استجداء العواطف عبر إقحام المعاناة العائلية ومرض الزوجة في السجال العام، متجاهلا أن المرض قدر مشترك بين البشر واستخدامه كدرع يخدش كبرياء الصحفي ويحوله لحالة اجتماعية تستجدي الشفقة بدلا من الاحترام، مصداقا لقول الشاعر كريم العراقي : لا تشك للناس جرحا أنت صاحبه لا يؤلم الجرح إلا من به ألم.

يفسر هذا النمط الهجين حالة الانفعال التي طبعت ردود فعل لجنة أخلاقيات المهنة مؤخرا، إذ تجد الهيئات الوصية نفسها أمام مأزق حقيقي يضطرها لمناقشة سلوكيات تنتمي لأي شيء إلا انتمائها لصالون الصحافة، فالتعامل مع هذا النوع من التجاوزات يستنزف المؤسسة ويجرها قسرا إلى دائرة انفعالية كان يفترض أن تترفع عنها، حيث تجد نفسها، بدلا من التداول في القضايا الكبرى للمهنة، غارقة في تفاصيل وممارسات شخصية تخدش الوقار المهني وتفرض عليها لغة وتفاعلا لا يتناسبان مع رزانة التحكيم الأخلاقي المعتاد.

مؤسف ما آلت إليه أوضاع الصحافة ببلادنا فلم تكن صاحبة الجلالة يوما مهنة من لا مهنة له ولا ساحة للاستعراض الأدائي المنفلت من كل عقال، وإذا كان حميد المهداوي مصرا على التمسك بعباءة الصحافة فيتحتم عليه التوقف فورا لمراجعة مساره ثم انتداب فريق مستشارين لصياغة خروج إعلامي يقدم الإضافة النوعية، فحلقة أسبوعية واحدة معدة بإتقان وموثقة ضمن قالب مهني يحترم ذكاء المتلقي خير وأبقى من طوفان ارتجال لا يراكم سوى الضجيج والخصومات المجانية.

بقلم ذ: زكريا برعلا


تعليقات الزوار
  1. @فاطمة الزهراء عماري

    هذه الصحيفة الإلكترونية منحازة للطرف الآخر ، الصحفي يجب أن يكون محايدا معترفا بحقوق الآخر و لا يعرض زميله للإهانة و التحقير لأنه يخالفه الرأي ، انصر أخاك ظالما و مظلوما ، إذا كان المهداوي ظالما وجهه للصواب دون أن تنقص من قيمته و تجانب الحقيقة ، ادفع بالتي هي أحسن ، أو خو فالحرفة عدوك ،!

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني