برعلا زكريا
ما يناهز ساعتين من النواح والعويل والحركات المسرحية قضاها حميد المهداوي ليخبرنا أنه مستهدف من جهات خفية، والحقيقة يا أخي حميد أنني أتفق معك تماما في هذه النقطة بل وأدعو إليها بإلحاح، فإذا كان الاستهداف يعني تنقية الفضاء الرقمي من المحتوى الفج الذي تقدمه وتطهير اليوتوب المغربي من التفاهة التي باتت تهدد الذوق العام فإن استهداف قناتك يجب أن يكون أولوية الأوليات بل مشروعا مجتمعيا استعجاليا تتبناه السلطات والأحزاب والجمهور على حد سواء، لأن السكوت عن هذا التلوث السمعي والبصري لم يعد خيارا متاحا، وما أقوم به من كتابة مستمرة ضد هذا العبث ليس ترصدا شخصيا كما يصور لك خيالك الخصب المليء بنظريات المؤامرة بل هو واجب أخلاقي ومساهمة مواطنة في حملة النظافة العمومية هذه، فأنا لست تابعا لأي جهة ولا أتلقى تعليمات من الفضائيين بل أنني أضم صوتي لصوت العقلاء الذين أصابهم الغثيان مما تقترفه في حق المهنة.
ومن باب الإنسانية الصرفة وتعاطفا مع الأعباء المالية الضخمة التي تفرضها عليك حياة الرفاهية في أرقى أحياء العاصمة الرباط حيث تقيم أجد نفسي أحيانا مضطرا لفتح فيديوهاتك ليس بحثا عن معلومة أو تحليل بل فقط لتساهم نقراتي في رفع عداد الأدسنس ومنحك بضعة دراهم تساعدك على سداد فواتيرك المرتفعة وتمويل تنقلاتك المستمرة، فهذا المستوى المعيشي المريح الذي تحاول إخفاءه خلف قناع البؤس والمظلومية يتطلب سيولة دائمة لا توفرها سوى المشاهدات، ولأني أدرك أن مداخيل اليوتيوب قد لا تكفي لتغطية نفقات من يعيش عيشة الأثرياء ويخاطب الفقراء بلغة المستضعفين فإنني أستغرب بصدق كيف غاب عن فطنتك المقاولاتية استثمار منصة تيك توك فهي الأنسب لنموذجك الحالي حيث يمكنك تلقي الهدايا المباشرة والأسود التي تتحول فورا إلى رصيد بنكي ملموس يضمن لك الحفاظ على نمط حياتك البورجوازي، فما دمت قد قتلت الصحافة وحولتها إلى وسيلة للاسترزاق فمن باب الانسجام مع الذات أن تعلنها مدوية وتنتقل رسميا إلى صحافة كبس كبس فهذا المسار أكثر وضوحا وربحا من ارتداء قناع المناضل الزاهد في مسرحية رديئة الإخراج لم يعد يصدقها أحد.
كف عن الاختباء خلف أوهام المؤامرة لتبرير فشلك المهني الذريع وتوقف عن لعب دور الضحية الذي بات مستهلكا ومثيرا للشفقة، وتذكر أن الدنيا فانية وأن العمر يمر بسرعة لا ترحم، والسؤال الجوهري الذي يجب أن يزلزل كيانك في لحظات الخلوة هو ماذا ستترك للأجيال القادمة من إرث حقيقي وهل سيكتب موقع ويكيبيديا في سيرتك الذاتية عند أرشفتها أنك خلفت للمكتبة الوطنية مؤلفات مرجعية ودراسات فكرية رصينة تخلد اسمك أم سيكتفي التاريخ بالإشارة إلى أرشيف متطاير من فيديوهات خوتي المغاربة التي لا تسمن ولا تغني من جوع ثقافي، فالزمن يا حميد لا يدون الصراخ ولا يحفظ الترند العابر الذي يمحوه ما بعده بل يخلد الأفكار والمواقف التي تبني الوعي، أما ما عدا ذلك فليس سوى زبد يذهب جفاء، ولعل الوقت لم يفت بعد لتدارك ما يمكن تداركه قبل أن يسدل الستار نهائيا على هذه الظاهرة الصوتية لأن التاريخ لن يرحم من جعل من العبث مهنة ومن التفاهة قضية.



