بقلم: العياط عبد الحكيم
متصرف بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية
باحث جامعي في العلوم السياسية
مع تسارع تنزيل ورش المجموعات الصحية الترابية، برز داخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية سلوك مثير للاستغراب والقلق في آن واحد: عدد من النقابيين، الذين يفترض فيهم الدفاع عن استقرار الشغيلة وطمأنتها ومواكبة مخاوفها، كانوا أول من غادر المصالح اللاممركزة للوزارة من مديريات جهوية ومندوبيات اقليمية ومستشفيات، متجهين نحو المعاهد التمريضية أو المديريات المركزية، في خطوة تعكس هروب ماكر من تبعات هذا التحول المؤسساتي العميق.
هذه الظاهرة لا يمكن اعتبارها مجرد انتقالات إدارية عادية، بل هي سلوك دالّ يحمل رسائل نقابية خطيرة. فحين يكون النقابي، الذي يرفع خطاب حماية الحقوق المكتسبة والدفاع عن الموظفين، أول من يبحث عن “ملاذ آمن” خارج الميدان، فإن ذلك يطرح سؤال جوهري حول صدقية الخطاب النقابي نفسه، وحول من تُرك فعليا في مواجهة المجهول.
المجموعات الصحية الترابية قدمت كمشروع إصلاحي واعد، لكن تنزيلها العملي تم في سياق يتسم بالغموض، وتأخر النصوص التنظيمية، وضعف التواصل مع الموارد البشرية. هذا الغموض أصاب الشغيلة بقلق مشروع، غير أن المنتظر من القيادات النقابية هو البقاء في الصفوف الأمامية، ومرافقة الموظفين، والضغط من أجل ضمانات قانونية ومهنية واضحة. ما حدث هو العكس تماما: انسحاب صامت للنقابيين نحو مواقع مؤسساتية أقل مخاطرة.
تحولت المعاهد التمريضية والمديريات المركزية في هذا السياق، إلى “قوارب نجاة” لبعض النقابيين، لا لكونها أكثر إنتاجية أو ارتباطا بالميدان، بل لأنها لا تخضع مباشرة لمنطق المجموعات الصحية الترابية، وتوفر قدرا أكبر من الاستقرار الإداري. وهنا تكمن المفارقة: من كان يفترض أن يقود معركة الدفاع عن الشغيلة داخل المصالح الخارجية، اختار تأمين وضعه الشخصي أولا، وترك القواعد تواجه مصيرها وحدها.
هذا السلوك يفرغ العمل النقابي من جوهره الأخلاقي، ويحوّله من أداة للدفاع الجماعي إلى وسيلة فردية لتدبير الخوف. كما أنه يعمّق أزمة الثقة المتراكمة بين الشغيلة والنقابات، ويعزز الانطباع بأن الخطاب الاحتجاجي لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي للمصالح الشخصية.
الأخطر من ذلك، أن خروج النقابيين من المصالح الخارجية يضعف قدرة الشغيلة على التنظيم والتفاوض في مرحلة دقيقة من تاريخ القطاع الصحي. فالإصلاحات الكبرى، مهما كانت نواياها، تحتاج إلى وسطاء اجتماعيين أقوياء ومسؤولين. وحين يتخلى هؤلاء عن مواقعهم، يتحول الإصلاح إلى عملية تقنية جافة، بلا توازن اجتماعي، وبلا ضمانات حقيقية.
نفس الشيء يلاحظ على عدد من موظفي المصالح الخارجية، سواء من الأطر الإدارية أو الصحية أو التقنية، حيث باتوا ينظرون إلى المجموعات الصحية الترابية باعتبارها مجال محفوف بالمخاطر المهنية، في ظل غموض الوضعية القانونية، وعدم وضوح العلاقة مع الوظيفة العمومية، وغياب ضمانات صريحة بخصوص الاستقرار الوظيفي، والمسار المهني، ونظام التعويضات، والحماية الاجتماعية. هذا الغموض دفع العديد منهم إلى البحث عن مواقع مؤسساتية أقل عرضة للتغيير، وأكثر استقرارا من حيث الإطار القانوني.
هذا الهروب لا يعكس بالضرورة رفضاً لمبدأ الإصلاح في حد ذاته، بقدر ما يعبر عن أزمة ثقة في طريقة تدبير هذا الإصلاح. فالموظف العمومي، حين يشعر بأن الإصلاح قد يُفقده مكتسباته أو يضعه في وضعية قانونية رمادية، يبحث بشكل طبيعي عن ملاذ مؤسساتي يحميه من المجهول. وهنا تتحمل الإدارة المركزية مسؤولية كبيرة، ليس فقط في تأخر إصدار النصوص التنظيمية، ولكن أيضا في ضعف التواصل مع المعنيين، وغياب إشراك فعلي للموارد البشرية في بلورة التصورات النهائية للإصلاح.
الأخطر في هذه الظاهرة، هو أثرها المباشر على المصالح الخارجية نفسها، التي قد تجد نفسها مُفرغة من الكفاءات والتجربة، في لحظة يُفترض فيها أن تكون في قلب تنزيل المجموعات الصحية الترابية. فالإصلاح، بدل أن يعزز قدرات الميدان، قد يؤدي عملياً إلى إضعافه، إذا استمر نزيف الأطر نحو المركز والمعاهد.
إن نجاح ورش المجموعات الصحية الترابية لا يقاس فقط بإنشاء بنيات جديدة أو تغيير هياكل التدبير، بل يرتبط أساسا بقدرة الدولة على طمأنة مواردها البشرية، وضمان انتقال مهني آمن، واضح، وعادل. دون ذلك، سيستمر هذا الهروب الإداري الصامت، وسيبقى الإصلاح مهدداً من الداخل، ليس بالمعارضة، بل بالخوف وعدم الثقة.
إن السؤال الذي تطرحه هذه الظاهرة ليس فقط: لماذا يخاف الموظفون من المجموعات الصحية الترابية؟ بل أيضا: كيف يمكن لشغيلة أن تثق في تمثيلية نقابية اختارت النجاة الفردية على حساب المواجهة الجماعية؟ إصلاح المنظومة الصحية لن ينجح فقط بالنصوص والهياكل، بل يحتاج إلى نقابة حاضرة في الميدان، لا نقابة تغادر السفينة عند أول موجة.







