محمد أكعبور
مرشد ديني بالصويرة
باحث في الخطاب والإعلام الديني
كان أول ما افتتحنا به مقالنا السابق _ وهذا ملحق متمم له _ كون المحور الأول؛ يتخصص في تقريب الوحدات المعجمية المــُشكلة لعنوانه، وفق تصورنا المعرفي والمنهجي الذي يحكم المبحث التحليلي لدينا من منطلق تعاقدي بيننا وبين القارئ الكريم، رفعا لكل التباس معجمي ودلالي في سياق استعمالنا لهذه الوحدات اللفظية في مؤداها اللغوي والدلالي والوظيفي،ويمكن للقارئ الكريم الرجوع إليه.
في هذا المحور الثاني؛ ذي العنوان: خطاطة التواصل الديني؛تذكير بالبنية وبسط للمدلولية
ووفقا لما سبق من عرض لمفاهيم خمسة، وردت في المقال السابق، أحببتُ الرجوع إليها تذكيرا ببنيتها وبسطًا لمدلوليتها بحيث تمكنا من إضافة مفهوم سادس وهو الرشد:فتمت صياغتها على شكل معادلة منطقية لكون العنصر الواحد منها متأسسًا على الآخر اقتضاء مما يؤكد كون بيداغوجيا التبليغ =الخطاب =التخاطب الديني منظومة من المفاهيم الإجرائية يتداخل فيها ما هو تقني وما هو مجرد وما هو قدسي وما هو انطباعي وما هو فردي وما هو وجداني وما هو غيبي فأسمينا هذه المنظومة بـــــــــــ: خطاطة التواصل الديني وهذه عناصرها :
1_الفاعلية= القوة =الطاقة.
2_ الباعثية= النية=التقبل.
3_القابلية= الاستعداد=حالة فردية.
4_الدافعية= الرغبة=الحافز.
5_ الاستجابة = القبول=الأثر.
6_ الرشد=الحال =المقام.
فكل تواصل ديني يستجمع هذه العناصر ويحقق تمام هذه الوحدة العضوية؛ فهو تواصل ديني ناجح وناجع، لكن يعترضه إكراه يتمثل في تعذر تتبع هذه المفاهيم باعتبارها مسار التلقي والبناء المعرفي للتعلمات الدينية واحدة واحدة، ففي البيداغوجيا يتعذر تقويم القيم،بخلاف التعلمات الخاضعة قسرا لسلطة الاختبار ، أما القيم فتخضع قصرا لسلطة الاختيار، وهي المعبر عنها في القرآن الكريم بالخشية لكونها منزلة بين الرغبة والرهبة؛ بين الخوف والرجاء، وقد أشار إليها الإمام عبد الواحد بن عاشر في قوله “.
أن تعبد الله كأنك تراه =====فإن لم تكن تراه فأنه يراك
لكن يتدخل المجتمع ليقوم هذه القيم التي يحملها التخاطب الديني وليس المبلِّغ لكونه لا يملك سلطة على المتلقي اللهم من حيث محاولة الفاعلية لإحياء الباعثية إيقاظا للقابلية لكونها لحظية آنية ظرفية؛ مرتبطة بزمن التلقي وهو قصير وقد يتكرر.
وإن من الهديات التي مُنحها الرسول المبلِّغ صلى الله عليه وسلم؛ هداية البلاغ، قال الله تعالى مخاطبا إياه في ذلكم:
“اِنْ عَلَيْكَ إِلَّا اَ۬لْبَلَٰغُۖ” الشورى (45).
“وَمَا عَلَي اَ۬لرَّسُولِ إِلَّا اَ۬لْبَلَٰغُ اُ۬لْمُبِينُۖ” العنكبوت (17)، وهداية البلاغ هذه ورثها عنه العلماء فلا ينقطع أصلها ولا يجزأ مفصلها ……
فهداية البلاغ مستمرة في الجماعة ولذلك، “يجتهد هؤلاء المبلغون وهم يستحضرون قوله تعالى: (ليس عليك هداهم) ولكنهم يحرصون ويلحون ولا يملون من أن يبينوا للناس منافع ثمرات الإيمان في بناء حياتهم الطيبة.”[1]
فهذا النص؛ الداخل في باب بيدغوجيا التبليغ يرتكز على استجماع شبكة مفاهيمية مرنة _تحقق المرجو في زمن الاعتراض؛ فعل النفس في الذات والإعراض؛ فعل الغير في الذات _عناصرها كالتالي:
· الاجتهاد في التبليغ: ممثلا في إنجاز العمليات وتطوير الآليات.
· الحرص: ومجلاه في الخوف على الجماعة من المشوشين المنتحلين المبطلين الجاهلين وكذا من سوء تدينها وسوء حالها.
· الإلحاح: ومظهره في القرب من الجماعة للمواكبة والتأطير الجيد للتمكين المكين مما لها فيه حاجة.
· عدم الملل: استشعا أمانة التبليغ بكونها مقام إراثة نبوية.
تتآلف عناصر هذه الشبكة المفاهيمية لخلق وصال تخاطبي فعال، يدرك من خلالها العلماء مقصد التولية ونبل الرسالة ووجاهة التبليغ مآلها أن ” يبينوا للناس منافع ثمرات الإيمان في بناء حياتهم الطيبة “.
هذا ،ويمكن أن نستأنس بحديث السبعة، لنمثل فيه للعناصر الثلاثة المتبقية: _الدافعية والاستجابة والرشد_من خطاطة التواصل الديني ، حيث ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ”[2].
إن النص الذي أمامنا يجسد لنا مكافأة الله بوعده_ ووعده سبحانه حق_ لنماذج بشرية ذات الفطرة السليمة، وهي نماذج تسري تقريبا على مجمل مدار الحياة الدينية والدنيوية فمن إمام عادل، والإمام لا يكون إلا عادلا رحيما رفيقا بالرعية على الهدي النبوي مما أكده الوحي” لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُول مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوف رَّحِيم” التوبة (129)، وقرئ من أنفَسكم أي من أشرفكم وأفضلكم ، والإمام العادل من بايعه المؤمنون على أساس النسب الشريف ليحفظ الضرورات الخمس وسعى في تحقيق مصالح المؤمنين وإسعادهم وتأمين معاشهم ومعادهم ،وهو الأساس الذي يبايع فيه أمير المؤمنين بالمغرب وفق العمل الديني والأعراف المرعية والتي سمت بها التشريعات الوطنية السامية فـــــ “الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الديني…..”[3]
فإن من شأن أمر النسب الشريف ، والرأفة والرحمة مظنة إقامة الدين إثمار ميثاق تعاقدي بيني تعبدي ووفاء بوفاء عملا بما ورد في الحديث النبوي ” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم. وتصلون عليهم ويصلون عليكم.”[4] ، وهذا الأمر مستمر متواصل في الأمة المغربية قرنا بقرن وهو من صميم تدينهم فهم يجددون الدعاء لأمير المؤمنين من على الكراسي والمنابر ؛يوم الجمعة والعيدين ومناسبات دينية وطنية وبمجالس العائلات : الأفراح منها والأقراح فالدعاء لأمير الومنين أكبر تجل على تجديد البيعة لجلالته ، إلى شاب نشأ في عبادة الله وهذا نتيجة التربية الوالدية ؛ بيئة متدينة بيئة سليمة تمكن منه فعل الدين وتمكن هو من الالتزام به في اعتدال ووسطية ، إلى رجل حريص بالتزام الجماعة وحضور الصلوات معها لفضلها وثوابها ولراحة في النفس يجدها نتيجة علاقة عمودية بها تستقيم علاقته الأفقية ، فالتعلق تملُّك وكأن الرجل تملَّك موطن سجود في المسجد فلزم تعهده عند كل سماعه: “حي على الصلاة حي على الفلاح”،إلى رجلين متحابين في الله لا بجامع دنيوي ينتهي بتحقيقه ، ولكن تعاهدا على أن الحب بينهما لله، حب عبادة لا حب عادة اللحظي النفعي البراغماتي، وهذا داخل فيمن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله “”هم قوم تحابّوا بروح الله، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها،”.[5] إلى رجل مدعو لاستباحة عرض الداعي، قائلا إني أخاف الله؛
إلى رجل طهُرت نفسه من البخل والشح مدركا فضل الصدقة ففعل خيرا ولزم حقا فأخلصها لله وحده طيبة بها نفسه فأخفاها عن جنبه وهو تمام التوحيد؛ إلى رجل مع الله، ذكره في خلوة ففاضت عيناه من شدة الاستحضار لجلالة الله في لحظة إحسان الخلق لذاته بتذكيرها بمعية الله.
إن هؤلاء السبعة كلهم توافرت لديهم الدافعية لكنهم ما احتاروا في أن يختاروا الاستجابة؛ استجابة لنداءات الوحي ولتعاليم الدين طمعا في الجزاء الكبير وهو ظل الله يوم الحر والفر.
ولو تأملنا حالتهم هذه وهم مستيجبون ،فإن مردها _حالتهم_للعنصر السادس في خطاطة التواصل الديني؛ وهو الرشد فإنه دافع ومانع: دافع للخير مانع من الشر ” والرُّشْدُ إصابَةُ الحَقِّ”[6].
وورد في القرآن الكريم الربط الدلالي لمفاهيم: الاستجابة والإيمان والرشد، قال الله تعالى:” فَلۡیَسۡتَجِیبُوا۟ لِی وَلۡیُؤۡمِنُوا۟ بِی لَعَلَّهُمۡ یَرۡشُدُونَ “البقرة (186) قال الآلوسي في _لعلهم يرشدون _”أيْ: يَهْتَدُونَ لِمَصالِحِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وأصْلُ البابِ إصابَةُ الخَيْرِ”.[7]
وخلاصة ما ذكر في هذا البيان: إنَّ إصابة الحق وفعل الخير دليلٌ على الرشد، وهو درجةٌ تتوسط لحظة اختبار النفس ومحض حرية الاختيار؛ إذْ تُلهَمُ النفسُ فيها حُسن القرار بفضل هذا الرشد.
[1] أحمد التوفيق ، ثمرات الإيمان ، سبق ذكره .
[2] صحيح البخاري
[3] الفصل 41 من دستور المملكة المغربية 2011
[4] صحيح مسلم، وهذا 3142 رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف، سبق ذكر المرجع.
[5] جزء من حديث رواه عمر بن الخطاب وهذا 9502رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف، سبق ذكر المرجع.
[6] التحرير والتنوير،ابن عاشور سبق ذكره
[7] روح المعاني للآلوسي، سبق ذكره







