خمسة عشر يوماً من التمرّد المنظّم: من الاحتجاج إلى الفعل الثوري
ليست الليلة الخامسة عشرة للانتفاضة الإيرانية مجرّد رقم زمني في سجلّ الاحتجاجات، بل نقطة تحوّل نوعي تؤكد أن ما يجري في إيران لم يعد انفجار غضب عابر، بل مسار ثوري متراكم. عودة طهران إلى واجهة المشهد، بالتوازي مع إضراب شامل في شهركرد، وتجريد عناصر القمع من سلاحهم في كرج، يكشف عن انتقال الشارع الإيراني من ردّ الفعل إلى المبادرة الهجومية، ومن الاحتجاج الرمزي إلى تفكيك أدوات السيطرة.
تفكك قبضة القمع: حين يفقد النظام احتكاره للعنف
أخطر ما يواجه نظام الملالي اليوم ليس اتساع رقعة التظاهر، بل تآكل هيبته الأمنية. مشاهد تجريد عناصر القمع من سلاحهم ليست حدثاً معزولاً، بل مؤشر على انكسار حاجز الخوف وتحوّل ميزان الردع النفسي. النظام الذي بنى بقاءه على احتكار العنف بات عاجزاً عن فرضه في مدن محورية، ما يفتح الباب أمام انهيار متسلسل في منظومة السيطرة، خصوصاً مع اتساع الإضرابات في الأطراف والمراكز على حدّ سواء.
الإضراب الشامل: الاقتصاد كساحة مواجهة سياسية
إضراب شهركرد يكتسب دلالة استراتيجية تتجاوز البعد المعيشي. فالإضراب، في السياق الإيراني، هو سلاح سياسي يضرب قدرة النظام على التمويل والاستمرار. حين تتقاطع الشوارع المنتفضة مع المصانع والأسواق المغلقة، يصبح النظام محاصراً بين غضب الشارع وشلل الاقتصاد، وهو السيناريو الذي لطالما يخشاه هذا النظام الفاشي. هذه المعادلة تعني أن الانتفاضة لم تعد محصورة في الفئات الشابة، بل دخلت مرحلة التجذّر الاجتماعي الواسع.
وحدات المقاومة: العمود الفقري للانتفاضة المستدامة
في قلب هذا المشهد، تبرز وحدات المقاومة كعامل حاسم في تحويل الغضب الشعبي إلى فعل منظّم. هذه الوحدات، المرتبطة عضوياً بـمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، لعبت دوراً مركزياً في كسر احتكار النظام للمعلومة، وتنظيم التحركات، ورفع كلفة القمع. ليست هذه الوحدات بديلاً عن الشارع، بل رافعة له، تمنحه الاستمرارية والقدرة على الصمود في مواجهة آلة أمنية شرسة.
الشرعية الثورية في مواجهة شرعية السلاح
النظام الإيراني يواجه اليوم أزمة وجودية مزدوجة: سقوط الشرعية الأخلاقية داخلياً، وتآكل الغطاء السياسي خارجياً. إدانات قادة الغرب للمجازر، والدعم الرسمي من كندا والسويد، والبيان المشترك لوزراء خارجية غربيين دعماً لاحتجاجات الشعب وإدانة القمع، تعكس تحوّلاً ملحوظاً في الخطاب الدولي. لم تعد الرواية الرسمية للنظام مقنعة، بل بات يُنظر إليه كـ سلطة قمعية معزولة تواجه شعباً يطالب بحقه في تقرير المصير.
ردود الفعل الدولية: من الإدانة إلى إعادة التموضع
صحيح أن المواقف الدولية لم تصل بعد إلى مستوى الإجراءات الرادعة، لكن تراكم الإدانات يضيّق هامش المناورة أمام طهران. كل بيان، وكل موقف رسمي، يسحب جزءاً من الشرعية التي حاول النظام تصديرها لعقود. الأهم أن هذا المناخ الدولي يمنح المنتفضين إحساساً بالحماية السياسية، ويعزز قناعتهم بأن العالم لم يعد صامتاً.
إلى المواطن الإيراني: لحظة الانضمام إلى التاريخ
هذه الانتفاضة ليست مغامرة مجهولة، بل فرصة تاريخية نادرة. النظام أضعف من أي وقت مضى، أجهزته الأمنية متآكلة، اقتصاده منهك، وشرعيته الدولية في أدنى مستوياتها. الانضمام اليوم إلى صفوف المتظاهرين ليس مجرّد موقف أخلاقي، بل استثمار في مستقبل إيران. كل متظاهر جديد يسرّع لحظة الحسم، وكل مدينة تلتحق تكسر حلقة الخوف.
الخلاصة: الثورة تمضي… والنهاية لم تعد بعيدة
ما تشهده إيران اليوم هو بداية النهاية لنظام استنفد كل أدوات البقاء. انتفاضة تمتد، ومقاومة منظّمة، ودعم دولي متصاعد، ونظام عاجز عن تقديم أي أفق سوى القمع. التاريخ لا ينتظر المترددين، وإيران تقف الآن على أعتاب مرحلة ما بعد الملالي. المسار واضح، والكلفة معروفة، لكن النتيجة باتت أقرب من أي وقت مضى: إيران حرّة، بإرادة شعبها.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي


