إرشاد الحيران في التمييز بين القرقوبي والجوان عند الهضراوي: بائع الديطاي وصائد الطيور بآلة الجباد في سالف الأزمان
أبو يحيى
نصب حميد المهداوي نفسه في شريطه المصور الأخير خبيرا في علم الجريمة وعلم النفس السلوكي، مقدما مقاربة هجينة تقارن بين مخدر الحشيش وأقراص الهلوسة القرقوبي، ومستدعيا قاموسا شعبيا بسيطا ينهل من ثقافة الشارع وقصص المقاهي، بعيدا كل البعد عن دقة التحليل الصحفي الرصين أو البحث الاستقصائي.
استند التحليل إلى ثنائية ساذجة تختزل تعقيدات الظاهرة الإجرامية في نوعية المخدر المستهلك، مصورا مستهلك الحشيش ككائن مسالم جبان يميل للانزواء والخمول، بينما رسم صورة وحشية لمستهلك القرقوبي كذئب بشري مفترس، جاهلا أن الأبحاث العلمية تؤكد تداخل العوامل النفسية والاجتماعية في تشكيل السلوك الإجرامي.
يعكس هذا الطرح السطحي امتدادا طبيعيا لذهنية بائع السجائر بالتقسيط الديطاي وصائد الطيور بآلة الجباد البدائية في أدغال الخنيشات، حيث تُبنى المعارف على الانطباعات الغريزية لا على المناهج العلمية.
تكشف لغة الأرقام التي ساقها صاحب الفيديو، حين زعم أن 70 بالمائة من ساكنة السجون هم ضحايا القرقوبي، عن ارتجالية فجة في التعامل مع الإحصائيات الرسمية، مكتفيا بإطلاق أرقام جزافية تخدم سرديته المرتجلة، ومحاولا تبرير العنف بآلية كيميائية بحتة تسقط المسؤولية الجنائية والأخلاقية عن الفرد، ومحولا النقاش العمومي حول الأمن ومحاربة الجريمة إلى جلسة سمر تفتقر لأدنى شروط الرصانة الفكرية.
يتحمل الجسم الصحفي والهيئات الوصية مسؤولية التصدي لهذا العبث الذي يميع القضايا الجادة ويحولها إلى مادة للتندر والاستهلاك السريع، فترك المجال مفتوحا لهذه النماذج يساهم في نشر الجهل وتزييف الوعي الجمعي، ويعطي الشرعية لخطاب شعبوي يفتقر لأدوات الفهم والتحليل، مكتفيا بإعادة إنتاج أحاديث المقاهي بلغة خشبية تدعي العمق وهي لا تلامس حتى سطح الحقيقة.







