كلما توهم النصاب الهارب هشام جيراندو أنه بلَغ القاع في الخسة والنذالة، أتاه تسريب جديد ليثبت للجميع أن مستنقع الدناءة الذي يغرق فيه لا حدود لعمقه.
إن حبل الابتزاز الذي ظل يلفه حول أعناق ضحاياه قد انقضّ على عنقه هو شخصياً، محولاً كل زئير نضالي مزيف كان يطلقه من كندا إلى أنين مكتوم لمرتزق محاصر بشر أعماله، وضبط متلبساً بأبشع صور التجارة بأعراض الناس والتكسب من ملفات الحرام.
لقد جاء التسريب الصوتي الصدمة، الذي وثق المحادثة النارية بين هذا المبتز والمسماة “سلمى نضيل”، ليكون بمثابة رصاصة الرحمة الأخلاقية على هذا الكائن الطفيلي.
ففي هذه المحادثة، التي واجهته فيها المعنية بالمرارة والغضب العارم، تتجلى حقيقة السمسار الذي يدّعي الطهرانية؛ إذ فضحت كيف قبض هذا الهارب مبلغ مليون سنتيم كإتاوة رخيصة من خصوم ومنافسي عائلتها، مقابل تكفله بنشر صور قديمة والتشهير بسيدة أدت دينها للقانون، وخرجت من السجن لتعلن توبتها وطَي صفحة الماضي.
لكن المهانة الكبرى والصفعة التدميرية التي ستظل تلاحق جيراندو ما حيِي، لم تكن في كشف سحت “المليون سنتيم” فحسب، بل في الكلمات القاطعة التي هزت أركان جشعه حين واجهته الضحية بعزة نفس تفتقر إليها كل خرجاته، قائلة بصوت يخنق الابتزاز: “ما عندي ما نعطيك، أنا مابقيتش خدامة.. ضربنا الحبس وخرجنا وعفا علينا الله”.
إن هذه العبارة البسيطة لم تكن مجرد امتناع عن الدفع، بل كانت محاكمة أخلاقية علنية لمرتزق نذل، يصر على ملاحقة التائبين، ونبش قبور الماضي، والمتاجرة بآلام العائلات المكلومة، فقط ليؤمن ثمن عيشه الذليل وقوت يومه الملطخ بأموال السحت.
تكمن خطورة هذا التسريب الأخير في كونه يقطع الخيط الناحل الذي كان يتشبث به هذا النصاب للتغطية على جرائمه. فلم يعد بإمكانه اليوم التباكي بأكذوبة “الذكاء الاصطناعي”، ولا ادعاء “ملاحقة المفسدين”؛ إذ كيف للمفسد الأكبر أن يربط نضاله المزعوم بمليون سنتيم؟ وكيف لمدعي الشرف أن يرتضي لنفسه أن يكون خادماً مطيعاً ولساناً مأجوراً يبيع التشهير في سوق الناخسين لمن يدفع أولاً؟
إن تسريب سلمى نضيل، وقبله ملفات “قولولو” والمذهوب والآخرون، يرسم اللوحة الكاملة لجيراندو: مجرد رقم رخيص في شبكة إجرامية عابرة للحدود، يستهدف الفئات الأكثر هشاشة، ويرتزق من صراعات البارونات، ثم يخرج أمام الكاميرات ليمارس العاهرة التي تصاضر عن العفاف.
واليوم، وبعد أن تعرت سوءاته بالكامل، وأصبحت صرخات المبتزين تلاحق نومه، يقف هذا الخائن مجرداً من كل ملمح إنساني، محاطاً بسخط المجتمع وعار الخيانة، منتظراً سيف العدالة الذي سيجتث هذه الظاهرة القذرة ويرمي بصاحبها في المكان الذي يليق به: مزبلة النسيان والدرك الأسفل من التاريخ.







