القيادة على محكّ اللحظة الحاسمة (الكايـروس) حين تنتظر السياسة مَن يجرؤ على تحمّل الكلفة

من باريس بقلم: الدكتور محمد محاسن

أستاذ التعليم العالي – خبير في القيادة الاستراتيجية والحكامة

 

موجز

أقدّم في هذا المقال قراءةً مفاهيمية في القيادة الاستراتيجية من خلال مفهوم الكايـروس، بوصفه اللحظة الحاسمة التي يفقد فيها التردّد حياده، ويغدو فيها اللّاقرارُ اختيارًا مكلفًا. وأميّز بين القيادة التدبيرية والقيادة المتجسّدة، القائمة على التناسق بين قراءة الواقع، والخطاب العمومي، والفعل السياسي. ومن خلال تحليل دون أدلجة لحالة دونالد ترامب، أتناول دور القائد بوصفه محفِّزًا تاريخيًا، يقبل تحمّل كلفة قرارات مؤجَّلة طال انتظارها. ويخلص المقال إلى أن الشجاعة القرارّية تمثّل الاختبار الأقصى للقيادة الأصيلة، حين تتقدّم الأمانة تجاه الضرورة التاريخية على البحث عن المشروعية الآنية.

الكلمات المفاتيح:

القيادة الاستراتيجية؛ الكايـروس؛ التناسق؛ المسؤولية؛ الشجاعة القرارّية؛ تجسيد السلطة؛ الحكامة.

 

توطئة

إنّ القيادة لا تُقاس بمعيار الشعبية الفورية، ولا بالامتثال الليِّن لمعايير العصر، وإنما تنكشف في لحظات التوتّر القصوى، حين يتّسع الفارق بين ما هو معلوم، وما هو ضروري، وما هو قابل للتحمّل سياسيًا، إلى حدٍّ تعجز معه أدوات التدبير العادي عن الاحتواء. تلك اللحظات هي ما سمّته الحكمة اليونانية بـالكايـروس؛ لا بوصفه زمنًا كرونولوجيًا، بل زمنًا حاسمًا.

لقد أفادتنا التجارب، عبر تاريخ الدول ولا سيما القوى الكبرى، بأن الكايـروس لا يتطلّب مزيدًا من الخطابات أو التنظير، بقدر ما يستدعي قادةً قادرين على تحمّل الفعل. قادة ليسوا بالضرورة صانعي الأجندات الاستراتيجية — إذ غالبًا ما تكون تلك الأجندات قد صيغت سلفًا داخل البنى الدائمة للسلطة — بل الذين يملكون الجرأة على تجسيدها وتحمل تبعات تنفيذها، رغم ما يرافق ذلك من مخاطر وانكشاف وكلفة رمزية.

 

1) القيادة واستمرارية الدولة الاستراتيجية

فالدول لا تُدار بالارتجال، ولا بالقطيعة الدائمة، بل تسير وفق مسارات طويلة، تصوغها مؤسسات راسخة، ومصالح مستقرة، ورؤى مؤجَّلة في الزمن. وضمن هذا الإطار، لا تكون القيادة الفردية مطلقة، بل وظيفية ومتموضعة.

ويغدو دور القائد حاسمًا عندما يبلغ النظام السياسي حالة تشبّع تحليلي: وفرة في التقارير والسيناريوهات، يقابلها عجز عن الحسم. هنا لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة، بل في صعوبة تحمّل القرار. فتغدو القيادة وظيفة عبور، أي تحويل ضرورة بنيوية إلى قرار سياسي صريح.

 

2) الكايـروس بوصفه لحظة اختبار القيادة

يميّز الكايـروس تمييزًا جذريًا بين القيادة التدبيرية والقيادة الاستراتيجية. فالأولى تُدير الزمن العادي، بينما تتدخّل الثانية حين يفقد التردّد حياده، ويصبح الامتناع عن القرار مكلفًا بحدّ ذاته.

· يدرك قائد الكايـروس أن بعض القرارات:

· تكون ضرورية قبل أن تحظى بالإجماع،

· ومحفوفة بالمخاطر قبل أن تُشرعَن،

· ومُدانة قبل أن تُفهم.

ومن ثمّ، لا ينبغي اعتبار الصدامية التي ترافق هذا النمط من القيادة خللًا، بل التعامل معها كمؤشرٍ على أن الفعل يتحتّم حين لم يعد التأجيل ممكنًا دون ثمن.

 

3) التناسق والمسؤولية: شروط القيادة المتحمَّلة

ومع ذلك، لا يستقيم اختزال القيادة الاستراتيجية في فعل القرار وحده، إذ تقوم هذه القيادة على تناسق عضوي بين ثلاثة أبعاد مترابطة: قراءة الواقع، والخطاب العمومي، والفعل السياسي. وحيثما يغيب هذا التناسق، يتبخّر القرار، وتتفتّت المسؤولية، وتنهار السلطة المعنوية.

فالقائد المتناسق هو من يقبل أن تكون هويته منخرطة في الفعل الذي يباشره؛ فلا يتعلّل بالإجراءات، ولا يتخفّى وراء التذرّع بالإجماع لتذويب المسؤولية. وهذا الانكشاف الشخصي ـ الذي كثيرًا ما يتعرّض للانتقاد ـ هو في الحقيقة شرط المسؤولية السياسية: لا مسؤولية حقيقية بلا فاعل مُسمّى.

أما الشجاعة القرارّية، فلا تعني تجاهل الكلفة، بل استيعابها عقلانيًا داخل فعل القرار، مع القبول بأن الزمن القصير قد يكون معاديًا.

 

4) حالة دونالد ترامب بوصفها نموذجًا تحليليًا للقيادة المتجسّدة والمتناسقة بعيدًا عن منطق الاصطفاف أو الرفض الإيديولوجي

من هذا المنظور، يمكن مقاربة حالة دونالد ترامب لا بوصفها شذوذًا إيديولوجيًا ظهر من العدم، بل باعتبارها تجسيدًا استراتيجيًا لقائد برز في لحظة كانت فيها بعض توجّهات الدولة الأمريكية ـ المطروحة منذ زمن في النقاشات والوثائق والتقارير ـ في حاجة أقل إلى مزيد من التحليل، وأكثر إلى التنفيذ.

لقد وُجدت العديد من السياسات التي حمل مسؤولية إدخالها حيّز التنفيذ ـ كالحماية الاقتصادية الانتقائية، ومراجعة الاختلالات التجارية، وتشديد المطالب تجاه الحلفاء، وإعادة تمركز صريح حول المصلحة الوطنية، والتشكيك في بعض آليات التعدّدية ـ في حالة كمون داخل البنى الدائمة للسلطة الأمريكية. لكنها ظلت معطّلة سياسيًا، لغياب قيادة مستعدة لتحمّل كلفتها الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية والرمزية.

ما يميّز هذه الحالة ليس الابتكار العقائدي، بل التناسق الشخصي مع التنفيذ؛ إذ يظهر تطابق واضح بين ما اعتبره القائد ضروريًا، وما صرّح به علنًا، وما نفّذه فعليًا. وهذا التناسق يمثّل جوهر القيادة المتحمَّلة، في مقابل أنماط سياسية شائعة تفصل بين القول والفعل اتقاءً للانكشاف.

فالقائد المتناسق يقبل أن تُربط هويته بالفعل الذي يباشره، ويتخلّى عن الحماية التي توفّرها الضبابية الاستراتيجية أو تمييع المسؤولية داخل المؤسسية. ورغم ما يُؤخذ على هذا النمط من “تشخيص” للسلطة، فهو الشرط الجوهري للمساءلة.

وعليه، تكتسب حالة ترامب قيمتها التحليلية لا بما تثيره من قبول أو رفض، بل بما تكشفه عن وظيفة نادرة في القيادة الاستراتيجية: وظيفة المحفِّز، الذي يحوّل ضرورة بنيوية إلى فعل سياسي صريح، حين يصبح التردّد فاقدًا للحياد.

 

عود على بدء: الشجاعة القرارّية بوصفها الامتحان الأقصى للكايـروس

إنّ الكايـروس ليس مجرّد لحظة مواتية، بل هو امتحان للقيادة. فهو يضع القائد أمام خيار لا يقبل التسوية: إمّا التأجيل باسم الحذر الظاهري، أو الفعل بثمن الانكشاف والاعتراض والمخاطرة الشخصية.

هنا يتجلّى التناسق شرطًا لجعل الشجاعة القرارّية ممكنة التحقّق؛ فلا يمكن تحمّل القرار على المدى البعيد دون اصطفاف صريح بين الرؤية، والخطاب، والفعل. فقائد الكايـروس يعلم علم اليقين أنّه سيُدان قبل أن يُفهَم، ويُحاكَم قبل أن يُقيَّم، وربما يُرفض قبل أن يُعاد الاعتبار لدوره.

وهكذا، فإن تجلّي القيادة الاستراتيجية لا يكمن في البحث عن شرعية فورية، بل في درجة التحلّي بالأمانة تجاه الضرورة التاريخية. فالقيادة، في معناها العميق، هي القبول بأن يكون المرء مسؤولًا عن قرار في اللحظة التي يتوقّف فيها الامتناع عن الفعل عن كونه خيارًا محايدًا.

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني