عندما يختار البعض الاصطفاف الخطأ… قراءة في مواقف حميد المهداوي من الحرب على إيران

 

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، خرج حميد المهداوي بخطاب واضح ينتصر فيه للرواية الإيرانية، ويقدّم طهران في صورة “الضحية” في مواجهة “الهيمنة الغربية”.

موقف قد يبدو، في ظاهره، تعبيراً عن رأي سياسي في نزاع دولي. لكن حين يُقرأ في سياقه الوطني، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن الاصطفاف مع دولة ثبت تورطها في مواقف عدائية تجاه المغرب ووحدته الترابية؟

المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران سنة 2018 بعد معطيات رسمية أكدت وجود دعم إيراني عبر أذرع إقليمية لكيان جبهة البوليساريو، بما في ذلك التدريب والتسليح، وفق ما أعلنته وزارة الشؤون الخارجية آنذاك. كما ظل الخطاب الرسمي الإيراني، في محطات متعددة، متقاطعاً مع مواقف الجزائر في ملف الصحراء المغربية.

في هذا الإطار، لا يصبح النقاش مجرد اختلاف في تقييم حرب إقليمية، بل يتعلق بمدى انسجام المواقف مع الثوابت الوطنية. فالوحدة الترابية ليست ملفاً سياسياً عابراً، بل قضية إجماع وطني، وأي قراءة للمشهد الدولي ينبغي أن تنطلق من هذا المعطى المركزي.

خطاب المهداوي، كما تداوله متابعوه، لم يكتفِ بانتقاد السياسة الأمريكية أو الإسرائيلية، بل انزلق إلى تبني سردية إيرانية شبه كاملة، متجاهلاً السياق الأوسع لعلاقة طهران بالمملكة. هذا التجاهل لا يمكن اعتباره مجرد سهو تحليلي، بل يطرح تساؤلات حول الخلفيات الفكرية والسياسية التي تؤطر هذا الموقف.

من الناحية التحليلية، يمكن رصد ثلاثة تفسيرات محتملة لهذا الاصطفاف:

أولاً، منطق “عدو عدوي صديقي”، وهو منطق اختزالي يتجاهل تعقيدات العلاقات الدولية، ويُسقط الحسابات الوطنية لصالح قراءة أيديولوجية عاطفية للصراعات.

ثانياً، البحث عن التموضع داخل سوق الخطاب الشعبوي، حيث تحظى المواقف المناهضة لواشنطن وتل أبيب بجاذبية لدى شريحة من الجمهور، بغض النظر عن تداعياتها على المصالح الوطنية.

ثالثاً، محاولة صناعة تمايز دائم عبر معاكسة التيار الرسمي، حتى ولو تعلق الأمر بقضايا تمس ثوابت الدولة، في إطار استراتيجية تقوم على الإثارة واستقطاب الانتباه.

غير أن الإشكال الأعمق يكمن في الخلط بين نقد السياسات الدولية، وهو حق مشروع، وبين تبرئة أنظمة ثبت عداؤها لمصالح المغرب. فالموقف المتوازن لا يعني تبني سردية محور ضد آخر، بل قراءة الوقائع بميزان المصالح الوطنية أولاً.

المغرب، في سياسته الخارجية، اختار مقاربة براغماتية قائمة على تنويع الشراكات وحماية مصالحه الاستراتيجية، مع الحفاظ على استقلالية قراره. وأي خطاب عمومي يتجاهل هذا المعطى، أو يقلل من خطورة المواقف الإيرانية السابقة تجاه الوحدة الترابية، يضع نفسه خارج الإطار الجامع الذي يلتف حوله المغاربة.

النقاش حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مشروع ومفتوح، لكن تحويله إلى منصة لتبييض مواقف نظام له سجل عدائي تجاه المملكة، هو أمر يستدعي مساءلة فكرية وأخلاقية. لأن الوطنية لا تُقاس بحدة الشعارات، بل بمدى الاتساق بين الموقف المعلن والمصلحة العليا للبلاد.

في النهاية، تبقى القاعدة بسيطة: يمكن الاختلاف حول السياسات الدولية، لكن الثوابت الوطنية ليست مجالاً للمزايدة أو التجريب. وأي قراءة للمشهد الإقليمي، مهما بدت مثيرة أو صادمة، يجب أن تمر أولاً عبر بوابة المصالح العليا للمغرب ووحدته الترابية.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني