د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي
في خضم الصراع الوجودي الذي تشهده إيران 2026 تبرز معضلة كلاسيكية أمام قوى التغيير؛ كيف يمكن للمعارضة المنظمة أن تحافظ على ثوابتها الأيديولوجية والتنظيمية التي منحتها الصمود لقرابة خمسة عقود، وفي الوقت ذاته بناء تحالف عريض قادر على استيعاب تطلعات أطياف الشعب الإيراني الواسعة بمختلف خلفياتها السياسية والاجتماعية؟ إن هذا التوازن ليس مجرد تمرين في العلاقات العامة بل هو استراتيجية بقاء وتحول ضرورية لإنهاء حكم النظام القائم.
الهوية السياسية كركيزة للصمود
لا يمكن لأي حركة تغيير أن تنجح دون “صلب” أيديولوجي أو تنظيم قوي يمنع تفتتها أمام آلة القمع.. وأما بالنسبة لـ المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية فقد مثلت الهوية السياسية والالتزام بمبادئ الديمقراطية والسيادة الوطنية لديه “بوصلة” حالت دون انحراف المسار، وقد وفر التمسك بهذه الهوية للمعارضة ديمومتها في مواجهة حملات التشويه والاختراق، ومع ذلك فإن الحفاظ على الهوية السياسية قد يتحول إلى “شرنقة” إذا ما أدى إلى الانغلاق.
في تجارب التغيير التاريخية كانت الحركات الأكثر نجاحاً هي التي استطاعت تحويل هويتها من “إطار حزبي ضيق” إلى “منصة وطنية جامعة” حيث تصبح المبادئ الأساسية مثل الحرية، والديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة نقاط التقاء وليس جدران عزل.
استراتيجية “القاسم المشترك”
لبناء تحالف عريض يتمحور حول المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ويضم مختلف القوى “الوطنية” المعارضة لا بد من الانتقال من سياسة الاستقطاب إلى سياسة التوافق المرحلي حيث إن جوهر التحالف العريض لا يكمن في توحيد الرؤى حول “ما بعد إسقاط النظام” في كل التفاصيل بل في الاتفاق على “الأولويات الوجودية” الحالية:
إسقاط الاستبداد: هدف مشترك يتجاوز الخلافات الأيديولوجية.
إقامة دولة القانون: ضمان الانتقال الديمقراطي عبر آلية شفافة يرتضيها الشعب.
السيادة الوطنية: استعادة مكانة إيران الطبيعية في المجتمع الدولي كدولة مسؤولة.
إن اعتماد استراتيجية “الحد الممكن الاتفاق عليه” يسمح للمعارضة بالانفتاح على قوى مدنية، نقابية، وحقوقية لم تكن جزءاً من التنظيمات التقليدية مما سيتيح تعاظم القاعدة الشعبية للمقاومة ويجعلها معبرة عن النبض العام للشارع.
بناء الثقة.. التحدي الأكبر!!
إن العقبة أمام أي تحالف ليست فكرية بقدر ما هي ثقة متبادلة.. ولكي تنجح المعارضة في بناء هذا التحالف يجب أن تقدم ضمانات بأن “التغيير” ليس عملية إقصاء جديدة بل هو انتقال نحو تعددية سياسية حقيقية، وبدوره سيمنح الانفتاح على الآخر والاعتراف بتنوع القوى التي تتشارك هدف إسقاط النظام.. سيمنحُ المعارضة “الشرعية الميدانية” التي تحتاجها لنيل الدعم الدولي.
لقد أثبتت وحدات المقاومة داخل إيران أن هناك استعداداً للعمل الميداني المنضبط؛ هذا النموذج يمكن تعميمه سياسياً عبر تشكيل جبهة وطنية ديمقراطية تكون فيها الهوية السياسية للمكونات المختلفة حاضرة.. لكنها خاضعة لـ “ميثاق شرف وطني” يمنع تغليب المصلحة الحزبية على المصلحة العليا للوطن.
التوازن طريقٌ للعبور
في نهاية المطاف إن القدرة على الموازنة بين الهوية والتحالف هي اختبار للنضج السياسي، وإن المعارضة التي تستطيع استيعاب التنوع وتقديم نفسها كجزء من نسيج وطني أوسع وليس كبديل متفرد هي وحدها القادرة على قيادة التحول، وإن الطريق نحو إيران ديمقراطية لا يمر عبر إلغاء الآخر بل عبر استثمار “قوة التنوع” لتشكيل جبهة لا يمكن للنظام اختراقها، وليس التحدي في التخلي عن الهوية بل في جعل هذه الهوية “مظلة” تتسع لكل من يطمح في رؤية إيران حرة ومستقرة، وإن هذا النوع من التحالف الواسع الذي يزاوج بين صرامة التنظيم ومرونة التعددية لهو المفتاح الاستراتيجي الذي سيحول حالة “الاستنزاف” إلى حالة “انهيارٍ للنظام” وقيامِ بديلٍ شعبي حقيقي.
د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي








