أقصى القمع وذروة الرفض!

محمود حكميان*

بعد إنتفاضتي سبتمبر2022، ويناير2026، اللتين عکستا للعالم رفضًا شعبيًا عارمًا للنظام الإيراني وعزمًا وإصرارًا إستثنائيًا على مواصلة المواجهة ضده حتى إسقاطه، فإن قادة النظام ولاسيما الولي الفقيه علي خامنئي ولغاية يوم مقتله، علموا بأنهم لا يواجهون حالة طارئة أو کالتي سبق وإن واجهوا نظائر لها من قبل، بل إنهم يواجهون حالة غير مسبوقة يرون فيها بکل وضوح تهديدا وتحديا وجوديا ليس بإمکانهم ثنيه أو القضاء عليه.
وبعد إندلاع الحرب الاخيرة والفراغ الکبير الذي خلفته في قمة هرم الحکم، وساهمت بصورة غير عادية في تعميق الأزمات أکثر من أي وقت مضى، لکن الذي أقلق جهاز حرس النظام والمٶسسة الدينية اللذان يحکمان البلاد، هو ما سيحدث بعد إنتهاء الحرب للنظام، ولاسيما وهم يعلمون بأنهم يواجهون تهديدات وتحديات دولية غير مسبوقة حيث يجدون أنفسهم أمام مطالب لو رضخوا لها فإنهم سيضاعفون من هشاشة النظام وجعله أقرب ما يکون للتدحرج نحو هاوية الفناء.
والحقيقة لا يشغل النظام حاليًا الأزمة الاقتصادية ولا التحديات الاقليمية والدولية بقد ما يشغله تحدي الرفض الشعبي والمقاومة المنظمة ضده والتي وصلت إلى ذروتها على الرغم من إن کل ما قد قام به النظام من ممارسة أقصى القمع وبشکل خاص بعد قتل الالاف من المتظاهرين في إنتفاضة يناير 2026، وهذا ما أعتى ويعطي إنطباعًا کاملًا للنظام من إنه يواجه أزمة وجودية لم يسبق وإن واجه نظيرا لها منذ تأسيسه، وحتى إنه يمکن القول بأن ما يشغل النظام حاليًا هو إيجاد اسلوب أو طريقة تضمن له البقاء بعد إنتهاء هذه الحرب.
بيد إن المشکلة الأخرى التي يعاني منها النظام تکمن أيضًا في کيفية إنهاء الحرب وخورجه منها بماء الوجه، لأنه يعلم جيدًا بأن الشعب ومقاومته المنظمة سيطالبان بمسائلته ومحاسبته عن المآلات التي دفع قسراً البلاد والشعب بإتجاهها ونجم عنها کل هذا البلاء وکل هذه المآسي والويلات.
ذروة الرفض الشعبي ليست مجرد تخمينات أو فرضيات أو تأويلات، بل إنها تعکس معادلة وأرقاماً على أرض الواقع وتشکل تهديداً وتحدياً مصيريا للنظام، ففي وقت تدك فيه وحدات المقاومة مراکز القمع للنظام وتٶکد بأن إسقاط النظام بأيدينا لا بالحرب الخارجية، فإنها تقوم أيضاً بتعبئة الشعب المعبأ أساسًا ضد النظام من أجل المواجهة المصيرية القادمة، هذا إلى جانب النشاطات السياسية المکثفة للمقاومة الإيرانية على الصعيد الدولي والتي تتميز بکثافتها غير المسبوقة وترکيزها على أن إسقاط النظام مهمة الشعب والمقاومة الإيرانية وإن نهاية الحرب ستعقبها ومن دون أدنى شك نهاية النظام الذي فقد کل مقومات البقاء وإن إيران في إنتظار الجمهورية الديمقراطية التي ستنهي مرحلتين من الحکم الدکتاتوري فيها.
وفي هذا السياق، تبرز التظاهرة الضخمة المرتقبة في باريس يوم 20 حزيران (يونيو) القادم كأهم تجلٍّ لهذا الرفض الشعبي المنظم. إن هذا التحشيد الذي من المتوقع أن يضم مئة ألف من الإيرانيين وأحرار العالم، لا يمثل مجرد احتجاج، بل هو الإعلان الرسمي عن جهوزية البديل الديمقراطي الراسخ والمنظم لتسلم زمام الأمور. إن صرخة باريس ستكون الامتداد الطبيعي لعمليات وحدات المقاومة في الداخل، لتؤكد للعالم أن مرحلة “تصدير الأزمات” قد انتهت، وأن إيران على أعتاب عصر جديد تحت راية برنامج المواد العشر للسيدة مريم رجوي.

*عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني