استئنافية الرباط الإدارية تصفع إدارة مستشفى “ابن رشد” بسبب تعنتها في تنفيذ أحكام قضائية باسم جلالة الملك

كواليس – الرباط

في قرار قضائي بارز ينتصر لهيبة الأحكام القضائية ويكبح جماح “الشطط الإداري” الذي تمارسه بعض المؤسسات العمومية، أصدرت غرفة المسؤولية الإدارية بمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط حكماً حازماً يقضي بإلغاء حكم ابتدائي صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، وإدانة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد في شخص مديره (ممثله القانوني)، عبر الحكم عليه بأداء تعويض مالي قدره 50 ألف درهم (5 ملايين سنتيم) لفائدة موظف سابق، بعد ثبوت امتناع الإدارة غير المبرر عن تنفيذ أحكام قضائية نهائية حائزة لقوة الشيء المقضي به.

تعود وقائع هذا الملف الشائك إلى سنة 2003، حينما صدر قرار مجحف بعزل عبد اللطيف صدار، الكاتب العام للنقابة الديمقراطية للصحة والموظف من الدرجة الثانية بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، وذلك بعد منعه التعسفي من ولوج مقر عمله منذ نهاية سنة 2002.

الفاعل النقابي صدار سلك المسار القضائي الدستوري، وحصل بالفعل على أحكام قضائية نهائية صريحة تقضي بإرجاعه الفوري إلى عمله وتسوية وضعيته الإدارية، غير أن إدارة المركز الاستشفائي ظلت تتعنت وتماطل في التنفيذ، مما دفعه إلى رفع دعوى تعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الطويلة التي لحقته، ليأتي قرار استئنافية الرباط ملغياً حكماً ابتدائياً صادراً برفض الطلب في دجنبر 2025، ومقراً بوجود خطأ مرفقي جسيم يستوجب التعويض وتحميل الصائر للمؤسسة الاستشفائية.

هذا القرار القضائي يعيد إلى الواجهة سؤالاً حارقاً ومحيراً يمس في الصميم جوهر دولة الحق والقانون: كيف يمكن لمدير مؤسسة عمومية وصحية كبرى أن يتجرأ على رفض تنفيذ أحكام قضائية نهائية صادرة “باسم جلالة الملك”؟

المفارقة الغريبة والخطيرة تكمن في أن هذا المسؤول الإداري نفسه، قد حظي مؤخراً بالثقة المولوية السامية، وتم تعيينه من طرف جلالة الملك محمد السادس على رأس المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء – سطات. وهنا يطرح الرأي العام تساؤلات مشروعة بمرارة: كيف لشخص يتشرف بنيل الثقة الملوكية السامية لقيادة قطاع صحي جهوي حيوي، أن يدير ظهره في نفس الوقت لأحكام قضائية نطق بها القضاء باسم صاحب الجلالة؟ أليس من أولى شروط الأمانة والمسؤولية والوفاء بالثقة المولوية هو الامتثال المطلق لقرارات العدالة وتطبيق القانون؟

المحكمة الإدارية بالرباط أكدت في منطوقها أن امتناع المؤسسة عن تنفيذ الحكم النهائي، وتوقفها غير المبرر عن إجراءات الإرجاع، يشكل أساساً ثابتاً للمسؤولية الإدارية.

وهذا القرار يكرس بشكل حرفي مقتضيات الفصل 126 من الدستور المغربي، الذي ينص صراحة على أن “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، وأن السلطات العمومية مطالبة بتقديم المساعدة اللازمة لتنفيذها متى صدر الأمر بذلك”. فلا وجود لأي مسؤول، مهما علت مرتبته أو اتسع نطاق إدارته، يمتلك الحق في وضع نفسه فوق سلطة القضاء أو يعتبر مؤسسته “ضيعة خاصة” محصنة ضد التنفيذ.

إن إدانة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالبيضاء هي رسالة واضحة وصارمة لكل المسؤولين الذين يخلطون بين كراسي المسؤولية وبين التعالي على القانون؛ والثقة المولوية السامية هي تكليف وواجب يفرض على صاحبها أن يكون قدوة في احترام ظهائر التعيين والأحكام القضائية الصادرة باسم جلالة الملك.

لقد انتصرت استئنافية الرباط لكرامة الموظف المعزول عبد اللطيف صدار، ووضعت حداً لـ 23 سنة من المماطلة؛ ليبقى الدرس البليغ من هذا الملف هو أن دولة المؤسسات لن تتسامح مع أي خطأ مرفقي يعرقل قطار العدالة، وأن التعيينات الملكية الكبرى وُجدت لخدمة المواطن وحماية حقوقه، لا لتحصين الممتنعين عن تطبيق القانون.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني