يكشف التحليل المقارن للصراعات عن شروط واضحة تدفع الأطراف الأضعف إلى التنازل. ولا ينطبق أي من هذه الشروط على الحالة الفلسطينية، مما يبرز عبثية الرهان الاستراتيجي الإسرائيلي على استسلام الفلسطينيين في غياب تسوية سياسية.
لقد وضّح التفاوت في موازين القوى بين الدول والجهات الفاعلة من غير الدول – أو بين الحكومات المهيمنة والحركات الوطنية الأضعف – العديد من الصراعات الأكثر استمراراً في العالم. فمن أيرلندا الشمالية إلى أفغانستان، ومن الجزائر إلى سريلانكا، يقدم التاريخ أمثلة متكررة لصراعات تخلى فيها الطرف الأضعف مادياً وعسكرياً عن القتال في نهاية المطاف. ومع ذلك، فإن مثل هذه النتائج ليست حتمية ولا نمطية؛ إذ تنشأ في ظلّ ظروف محددة وقابلة للتحديد. وتُعد دراسة هذه الظروف أمراً بالغ الأهمية، ليس فقط لتفسير الصراعات الماضية، بل أيضاً لتقييم الصراعات الراهنة – ولا سيما الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، حيث تُعد التوقعات باستسلام الفلسطينيين النهائي لإسرائيل توقعات في غير محلها تماماً.
هناك عدة مسارات متكررة تؤدي إلى تنازل الأطراف الأضعف أو تفكيكها؛ ويعكس كل مسار منها تضافر عوامل الإنهاك الداخلي والقيود الخارجية، وهي عوامل غالباً ما تتفاقم بسبب سوء التقدير الإستراتيجي. وفيما يلي سبعة شروط تؤدي في النهاية إلى استسلام الطرف الأضعف:
أولاً، قد تنفد الموارد المادية لدى الجماعات الأضعف. فالكفاح المسلح يتطلب توفراً مستمراً للأسلحة والتمويل والبنية التحتية اللوجستية؛ وعندما تُستنزف هذه الموارد لدرجة يتعذر تعويضها، يصبح استمرار الصراع أمراً غير ممكن. وتُعد حركة “نمور تحرير تاميل إيلام” (LTTE) في سريلانكا مثالاً صارخاً على ذلك؛ فبحلول عام 2009، وبعد عقود من التمرد، عُزلت الحركة بشكل منهجي عن مصادر السلاح والتمويل. ونظراً لوقوعها تحت الحصار وحرمانها من الإمدادات، انهارت المنظمة أمام الهجوم السريلانكي النهائي، حيث تحوّل الإنهاك المادي مباشرة إلى هزيمة استراتيجية.
ثانياً، يمكن أن يكون فقدان الدعم السياسي والمالي الخارجي عاملاً حاسماً. فغالباً ما تعتمد حركات التمرّد على دول متعاطفة، أو تمويل من الشتات، أو قوى راعية ذات مصالح جيوسياسية. وعندما يتلاشى هذا الدعم، تتضاءل بسرعة قدرتها على مواصلة الكفاح المسلح. وتجسد حركة “رينامو” (RENAMO) في موزمبيق هذه الديناميكية؛ فبمجرد سحب الدعم الروديسي ثم الجنوب أفريقي – تزامناً مع توجه بريتوريا نحو تسويات إقليمية وإنهاء نظام الفصل العنصري – أصبح المجهود الحربي للحركة غير قابل للإستمرار، مما دفعها إلى توقيع اتفاق روما للسلام الشامل عام 1992 والتحول إلى حزب سياسي.
ثالثًا، قد تلجأ الأطراف الأضعف أحيانًا إلى المصالحة مع خصومها الأقوى عبر تسويات تفاوضية، مفضلةً التوافق السياسي على المواجهة المستمرة. وتُعدّ اتفاقية الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية مثالًا نموذجيًا على ذلك. فقد قبل الجيش الجمهوري الأيرلندي، بعد عقود من الكفاح المسلح، تسويةً لا تصل إلى حدّ التوحيد الفوري، مُتبنّيًا المشاركة ضمن إطار سياسي مُعاد هيكلته، إدراكًا منه أن استمرار العنف لن يُحقق أهدافه المرجوة.
رابعًا، قد يتم تفكيك جماعة أضعف بفعالية من خلال عمليات عسكرية واستخباراتية متواصلة من قِبل الطرف الأقوى، ما يمنع إعادة تشكيلها. ويُجسّد تمرد الدرب المضيء في بيرو هذا المسار. فقد شكّل اعتقال أبيمايل غوزمان عام ١٩٩٢ ضربةً قاصمةً، وأدى استمرار عمليات مكافحة التمرد إلى إضعاف قدرة الجماعة بشدة، ما حال دون عودتها إلى قوتها السابقة. وهنا، يُمكن لتفكيك القيادة التنظيمية، إلى جانب سيطرة الدولة الفعّالة، أن يُحيد أي محاولة لإحياء التمرد.
خامساً، يرضخ الطرف الأضعف في نهاية المطاف بسبب الإنهاك الشديد؛ فالصراع الممتد يفرض معاناة لا تُطاق على المقاتلين والمجتمعات على حد سواء. ومن ثم، تتضاءل بمرور الوقت الفوائد المرجوة من استمرار المقاومة أمام وطأة المعاناة المستمرة. وتُعد الحرب الطويلة في كولومبيا بين الدولة وحركة “فارك” (FARC) مثالاً يجسد هذه الظاهرة؛ فبعد عقود من القتال وتزايد الخسائر البشرية وتراجع القبول الشعبي، دخلت الحركة في مفاوضات سلام أثمرت اتفاق عام 2016، وذلك نتيجة لحالة الإنهاك الداخلي والمجتمعي.
سادساً، قد يتآكل الدعم الشعبي للطرف الأضعف تحت وطأة المصاعب المستمرة؛ إذ يعتمد الطرف الأضعف على قبول السكان المدنيين أو دعمهم الفعلي. ونتيجة لذلك، يصاب المجتمع بخيبة أمل، ويفقد الطرف الأضعف قاعدته الإجتماعية. ففي العراق، واجه تنظيم القاعدة تحولاً دراماتيكياً خلال “صحوة الأنبار”، حين انقلبت عليه العشائر السنية بسبب وحشيته وتعطيله للحياة المحلية، مما أدى إلى فقدانه لأي أهمية أو تأثير يُذكر.
سابعاً، تعمد بعض الحركات إلى تعليق الأعمال العدائية مؤقتاً لإعادة تنظيم صفوفها، لكنها تفشل في الظهور مجدداً كقوى فاعلة؛ وغالباً ما يعود ذلك إلى تشرذم القيادة، أو فقدان الشرعية، أو الضغوط الخارجية التي تحول دون إعادة التنظيم بفعالية. فعلى سبيل المثال، لم يعد الحزب الشيوعي الملاوي قوة قتالية بعد فشل محادثات “بالينغ” عام 1955 وانسحابه عبر الحدود التايلاندية، وانتهى به المطاف إلى الحلّ في عام 1989.
وهناك أمثلة أخرى، منها حالات تؤدي فيها الإنقسامات الداخلية إلى تصدع القيادة أو إضعاف الرؤية الاستراتيجية وانهيار التماسك، كما حدث مع المعارضة السورية التي قوضت الإنقسامات الأيديولوجية والتنظيمية العميقة فيها قدرتها على تشكيل جبهة موحدة ضد الأسد. وهناك حالة أخرى تتمثل في دمج قادة مؤثرين ضمن الهياكل السياسية أو الإقتصادية للقوة المهيمنة، مما قد يفقد المقاومة بوصلتها؛ وهو ما شوهد في سياقات أفريقية عديدة في مرحلة ما بعد الإستعمار، حيث قامت السلطات الإستعمارية أو المهيمنة باستمالة النخب المحلية. وثمة حالة إضافية أيضاً، وهي عندما طغت عمليات الإندماج العالمي على الصراع المستمر -كما حدث في أجزاء من جنوب شرق آسيا- حيث فقدت حركات التمرد أهميتها تدريجياً مع إعادة تشكيل التنمية الإقتصادية لتطلعات الشعوب.
تشكل هذه الأنماط مجتمعةً إطاراً لفهم الأسباب التي تدفع الأطراف الأضعف أحياناً إلى الرضوخ. ومع ذلك، فإن هذا الإطار تحديداً هو ما يبرز الطابع الفريد للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
إذ لا ينطبق أي من هذه الشروط -سواء بشكل فردي أو جماعي- بطريقة قد تؤدي إلى استسلام الفلسطينيين؛ فهم لم يستنفدوا مواردهم المادية، ولم يفقدوا الدعم السياسي والمالي الخارجي. لم يرضخ هؤلاء للعمليات العسكرية والإستخباراتية الإسرائيلية المستمرة، ولم يصلوا إلى مرحلة الإنهاك التام أو ينهاروا تحت وطأة المعاناة المتواصلة؛ كما أنهم لم يوقفوا الأعمال القتالية، بل يمتلكون القدرة على الظهور مجدداً كقوى فاعلة ومؤثرة. لقد صمدوا في وجه الضغوط الإسرائيلية رغم انقساماتهم الداخلية، وأخيراً، لم تندمج قياداتهم المؤثرة في الهياكل السياسية أو الإقتصادية الإسرائيلية.
ومما لا شك فيه أن الهوية والمقاومة الفلسطينيتين -على العكس من حال الجهات الفاعلة الأضعف والأكثر مركزية- متجذرتان بعمق في وجدان الشعب، ولا تقتصران على هيكل هرمي واحد. إن استمرار الهوية الفلسطينية عبر الأجيال والمناطق الجغرافية يميزها عن الحالات التي أدى فيها عزوف الجمهور إلى تلاشي المقاومة؛ فلم تؤدِ عمليات تصفية القيادات أو الإعتقالات إلى القضاء على الهياكل الأساسية أو الحركة الوطنية الأوسع، كما لم تنجح عقود من المعاناة في طمس الوعي الوطني.
لقد باءت بالفشل مراراً وتكراراً محاولات تحقيق المصالحة وفق شروط من شأنها تقويض التطلعات الوطنية الفلسطينية. فاتفاقيات مثل “أوسلو” لم تعالج القضايا الجوهرية -كإقامة الدولة والسيادة وقضية اللاجئين والقدس- وبالتالي لم تفضِ إلى تسوية مستدامة. وبالمثل، لم ينهَر الدعم الشعبي -رغم المعاناة الهائلة- على نحوٍ يُفقد القضية الأوسع شرعيتها؛ إذ لم تؤدِ فترات وقف العنف المؤقتة إلى انسحاب دائم، بل غالباً ما أعقبتها موجات جديدة من التعبئة، مما يعكس استمرار المظالم العالقة والتحولات الجيلية.
تتمثل الخلاصة المستفادة -وهي خلاصة تستند إلى الواقع العملي والإعتبارات الإستراتيجية- في عدم وجود سابقة تاريخية تشير إلى أن حركة وطنية ما ستتلاشى ببساطة في ظل ظروف كهذه. ورغم ما تتمتع به إسرائيل من تفوق عسكري واقتصادي وسياسي هائل، فلا يمكنها توقع حسم الصراع عبر الهيمنة أو الإستنزاف.
إن التوازن الديموغرافي والترابط الجغرافي والروابط الدينية والتاريخية العميقة بالأرض تجعل من محاولة القضاء على الهوية الوطنية الفلسطينية أمراً غير قابل للتحقق. ولقد أدى استمرار الإعتماد على التدابير القسرية إلى نتائج معاكسة لما كان مرجواً؛ فبدلاً من دفع الطرف الآخر إلى الإستسلام، أدى ذلك إلى ترسيخ المقاومة وتقويض مكانة إسرائيل الدولية وشرعيتها الأخلاقية.
لا يدعم التاريخ الإفتراض القائل بأن القوة المفرطة قادرة على قمع حركة وطنية متجذرة إلى ما لا نهاية دون التوصل إلى تسوية سياسية. فحالات الرضوخ التي أبدتها أطراف أضعف في السابق قد حدثت في ظل ظروف تختلف كلياً عن الواقع الراهن. وكلما طال أمد تأجيل التوصل إلى حل سياسي قابل للتطبيق، تزايدت التكلفة الباهظة – ليس على الفلسطينيين فحسب، بل على إسرائيل ذاتها أيضاً.
لا يمكن بناء مستقبل مستدام على افتراض تلاشي أحد الطرفين؛ بل يجب أن يرتكز هذا المستقبل على الإقرار ببقاء كلا الشعبين، وعلى إدراك أن إنهاء الصراع لا يتحقق إلا من خلال إطار عمل يقوم على الحقوق المتبادلة والأمن والكرامة.




