عبدالله أطويل
ما إن حلت سرايا ووفود منتخبات الكون بأمريكا قادمة من مشارق الأرض ومغاربها، أيام قبل إنطلاق منافسات مونديال 2026، حتى بدت بوادر مونديال سيجري على أرض “دركي العالم”. بدت الفيفا برئيسها ومرؤوسيها جهازا مصنوع من الورق المقوى أمام الأسلوب الأمريكي في “تنديم” المونديال. ولأن أمريكا تصلي على قبلة الرأسمالية وتسبِّح بسُبحة مبادئ الفلسفة البارغماتية لجون ديوي وويليام جيمس. فقد غابت مساحيق التجميل الدبلوماسي وتبخرت المجاملات. أخدوا عن الفنان تشارلي شابلن مقولة “لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق”، وتركوا عنه مقولة، “لا تبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة”.
ظهرت عقيدة أمريكا فور وصول البعتات المشاركة. كل فريق خُصص له مستوى يقظة بلون يتماشى مع منسوب “شيطنته”. استقلبت الجمارك الأمريكية بعض الفرق بمستوى يقظة أصفر وأخرى بمستوى برتقالي، وأمام منتخب خامنئي بدى الأمر أحمر وأُعلنت حالة تأهب قصوى، مع ظروف التشديد في التفتيش لكل غاية مفيدة.
حطت طائرة الفريق السنغالي بأرض أمريكا وبجوفها وفد اندس بينهم “منجم” يعد من الراسخين في علم الدجل، يقال والعهدة على الراوي أنه يكتب ما لا يُقرئ من تمائم وحجابات توضع كدعامات للرسوم التكتيكية للمدرب. تفتيش شرطة المطار الأمريكي أسفر عن حجز أزيد من كيلوغرامين من مواد غريبة تضم بقايا سحليات محنطة وطلاسم وجداول وخيوط غريبة ومنشفة، أكد المختصون والنقاد وصناع “الكونسيبتات” أننا كافية لإجراء 8 مباريات، ومن هنا نفهم أن السينغاليون و”السينيغاوليات” خططو للوصول إلى نهاية المونديال قبل وصولهم إلى أمريكا.
وصلت في حفظ الله ورعايته بعثة الفريق المصري المكونة من “الكابو” حسام حسن والأربعين حرامي. حسن هذا حسن الخلق وهو الذي أرغد وأزبد قبل أشهر مشتكيا من ناموس طنجة خلال نهائيات أمم إفريقيا بالمغرب. ومن غرائب الصدف وعجائب الأقدار أنه أقام ببلد فيه الذباب وفق “الامريكان ستايل” شبيه بالدرونات ظل يتحرش بصلعته. الكابتن ضرب الأخماس في الأسداس وابتلع لسانه عن الكلام، وحين سُئل، تذكر مقولة الفنان المصري علاء ولي الدين من فيلم الناظر، ” يا ساتر، الواحد لما بيسكت بيشوف بلاوي”، ثم التفت يمنة ويسرة وكأن حاله يقول ” مصر أم الدنيا، بس أمريكا أبوها”. مع وصول بعثة المنتخب الجزائري إلى أمريكا، سألهم خزنتها ألم يأتكم ندير. لم يفهموا السر وراء السؤال إلا عند بداية مباراتهم في جنح الليل ضد الأرجنتيني ميسي، حين تبين لكل “شاهد عيان” قاوم النوم ليشهد أنهم محاربون يحملون سيوف من الورق المقوى.
تبنى الأمريكيون لازمة “كل ذقن ولها مشط” في استقبال ضيوفهم، إذ فُتِحت الأحضان لمنتخبات أخرى. مع وصول بعثة المنتخب المغربي قادمين من بلد منبت الأحرار..مشرق الأنوار، تردد كورال “بتْوَنس بيك وأنت معايا”. وقُبيل مباراة المغرب ضد البرازيل غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدوينة على منصته الالكترونية، تمنى عبرها الفوز للمغرب، اعتزازا بهذا البلد العظيم، الذي كان أول بلد يعترف باستقلال أمريكا. كما يحفظ ارشيف تاريخ وجغرافية أمريكا بإسم مصطفى الازموري كأول رجل راوغ أمواج المحيط الأطلسي ووصل أمريكا قبل كريسطوف كولمبوس وفاسكو ديكاما وماجلان. انطلق من أزمور إبان القرون الوسطى وسماه الأمريكيون بإسم “ايستيبان ايلمورو”، لايزال يرقد في قبره مند سنة 1539، بولاية نيو مكسيكو كشاهد “شاف كُلِّ حاجة”.
ما إن قضوا ليلتهم الأولى بإقامتهم بمدينة “فريسكو” ولاية تكساس، حتى اشتكى أفراد الفريق السويدي من وجود ثعبان مربوع القامة على مقربة من مقر إقامتهم، وفي رواية أخرى أفعى سامة. وصل الخبر لمعالي الرئيس فقال لهم أن الطبيعة والمناخ موجودين مند الأزل وسيظلان حتى أبد الآبدين، وقديمين أقدم من السويد بنفسها، هذه مجرد “جلد مكور” فمن شاء فليلعب ومن شاء أن ينسحب له ذلك. تررد السويديون خوفا وهلعا، ثم تبين لهم أن أول خصم سيواجهونه اسمه نسور قرطاج. فتذكروا أنهم سينافسون فرق وأسراب قادمة من “الساڤانا” الأفريقية تفصل بينهم واو الثمانية. مثل أسود الأطلس، أسود التيرانغا، فيلة ابدجان، ثعالب الصحراء، وحيثان الرأس الأخضر. ثم آخرون لم يتأهلوا للمونديال لدواعي “ايكولوجية”، منهم الخيول والفهود والجديان والأفاعي الموزمبيقية، كما منهم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.
يبدو أن ترامب ومن معه، استلهموا من كتاب “علم المرح” وكتاب “ما وراء الخير والشر” لصاحبه صاحب “الموسطاش” فريديريك نيتشه. لما فرضوا “بروطوكول طوارئ” على منتخب إيران يسمح له بلعب الكرة في أمريكا ويصارد منه المبيت والنوم بها. رُفِعت في وجه الفُرس اللاءات الثلاث، لا إقامة لا مبيت ولا نوم. ادخل أمريكا إلعب الكرة وعُد إلى المكسيك، هناك وراء الجدار بين تخوم “الكارطيلات” حسب تعبير ميستر دولاند. معبر هرمز أهم من مباراة كرة قدم محشوة بالهواء تتقادفها الأرجل. لحسن حظ الفيفا، أن ترامب ليس بعربي ولا يعرف من شعر المتنبي قوله، “لا يسلم الشرف الرفيع من الأدى حتى يُراقَ على جوانبه الدم”.
ترامب نظم مونديال الكرة بملاعب أمريكا حيث هناك يقدف اللاعبون بكراتهم نحو مرامي المنتخبات، ويسهر على تنظيم مونديال آخر على ملاعب الخليج حيث هناك القدائف من الدخيرة الحية ورشاشات الطائرات نحو مرامي الخصوم وميليشياتهم، والطكتيكات الهجومية لحزب الله وضربات الجزاء للحوثيين في معترك عملياتهم وركنيات من أمكنة خطيرة لتنظيم الدولة. مع كل هذا انتقل لفرنسا للقاء زعماء مجموعة “كروب سيڤن” افتتحه بالسلام على ماكرون الذي حضره دون نظارات شمسية.
إنما الأمم الكرة ما بقيت، فإن هم ذهبت كرتهم ذهبوا.




