د. زكرياء لعروسي
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
حمل خطاب العرش لسنة 2026 رؤية استراتيجية تجعل من الأمن والاستقرار جوهر المشروع التنموي المغربي، وتنقلهما من دائرة التدبير اليومي إلى مرتبة الخيارات السيادية الكبرى. فحين يؤكد جلالة الملك محمد السادس أن المغرب يعيش “مرحلة فاصلة في المسار التنموي”، فإنه يؤسس لمرحلة جديدة تتطلب تعبئة وطنية شاملة، قوامها الثقة في الدولة، والإيمان بقدرتها على مواصلة الإنجاز، والانخراط الجماعي في مشروع وطني يتطلع إلى ترسيخ مكانة المملكة ضمن الدول الصاعدة. ليؤسس جلالته لمفهوم جديد للثقة يرسم طاقة سياسية واجتماعية تحرك الاستثمار، وتدعم المبادرة، وتعزز تماسك المجتمع حول أهدافه الكبرى.
ويكشف الخطاب الملكي عن إدراك المغرب العميق للتحولات التي يعرفها العالم، حيث أصبحت البيئة الدولية تتسم بتصاعد الأزمات، وتعدد بؤر التوتر، وتنامي التهديدات الأمنية والاقتصادية والرقمية، بما جعل الاستقرار السياسي والمؤسساتي موردا استراتيجيا نادرا. فاستطاعت المغرب ترسيخ نموذج يقوم على قوة المؤسسات، واستمرارية السياسات العمومية، والقدرة على تدبير الأزمات بكفاءة ونجاعة. وهذا الاستقرار أصبح أحد أهم عناصر الجاذبية الاقتصادية، وأساسا لترسيخ الثقة لدى المستثمرين والشركاء الدوليين، بما يعزز قدرة المملكة على مواصلة مشاريعها التنموية الكبرى.
ولابد في هذا الصدد الإشارة، لما يكتسبه عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية من بعد استراتيجي يتجاوز المفهوم التقليدي للأمن؛ فالقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، والإدارة الترابية، تشكل منظومة وطنية متكاملة تعمل وفق رؤية موحدة لحماية الوطن وصيانة استقراره. وقد راكمت هذه المؤسسات خبرة رائدة في مجال العمل الاستباقي، والتنسيق الأمني، وتأمين الحدود، ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات السيبرانية، إلى جانب قدرتها على تدبير الكوارث والأزمات، وهو ما جعل التجربة المغربية تحظى بتقدير واسع لدى مختلف الشركاء الإقليميين والدوليين.
يعكس الخطاب الملكي السامي تحولا في مفهوم القوة داخل الدولة المغربية، حيث أصبحت تقاس بقدرة المؤسسات على إنتاج الأمن والاستقرار بصورة مستدامة، وبما يضمن استمرارية التنمية وحماية السيادة الوطنية، حتى يشكل البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد، وهو الإطار الذي تنمو داخله الاستثمارات، وتتوسع المشاريع الصناعية، وتتطور البنيات التحتية، وتتعزز الثقة في مستقبل البلاد. ولذلك جاء التأكيد على أن الاستقرار يمثل “الرأسمال الاستراتيجي” للمغرب، باعتباره الأصل الذي تنبني عليه مختلف رهانات التنمية، والسيادة، والتموقع الدولي.
إن جلالة الملك في خطاب العرش، يقدم الأمن باعتباره رافعة حضارية ومؤسساتية لمشروع المغرب الصاعد، فالدولة التي تنعم بالأمن، وتحظى بمؤسسات فعالة، وتملك رؤية استراتيجية واضحة، تمتلك في الوقت ذاته القدرة على استشراف المستقبل، وتعزيز تنافسيتها، وتوسيع حضورها الإقليمي والدولي. ومن هنا تتجلى المكانة المحورية للأجهزة الأمنية المغربية، التي تواصل أداء رسالتها الوطنية في حماية الاستقرار، وصون وحدة الوطن، وتهيئة البيئة الآمنة التي تجعل التنمية خيارا مستداما، وتجعل من المغرب نموذجا للدولة التي توفق بين قوة المؤسسات، وفعالية الأمن، وطموح التنمية، وحضورها المتنامي في محيطها الإقليمي والدولي.
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني






