تضحيات الأمن المغربي على تخوم سبتة ومليلية: كلفة باهظة في مواجهة أحاديّة السردية والإجحاف الإسباني

عندما تهدأ عواصف التحريض الرقمي، وتتراجع حدة المحاولات الميدانية لاقتحام السياجات العازلة على طول الشريط الحدودي المتاخم لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، تطفو على السطح الحقائق الميدانية التي تحاول جهات إسبانية بعينها طمسها بسوء نية.

فخلف مشهد الاستقرار الذي يُستعاد بحزم، تكمن فاتورة إنسانية ولوجستية باهظة تتحملها المملكة المغربية بمفردها، صونا للأمن الإقليمي وتأمينا لحدود قارة بأكملها، في وقت يستمر فيه الإعلام الإسباني وبعض الأصوات الحاقدة في نسج سرديات واهية تتهم الرباط بالتقاعس أو “موقف المتفرج”.

إن ما يغيب — أو يُراد له أن يُغيَّب — عن التقارير الدولية والتغطيات الصحفية الشمالية هو حجم الثمن البشري الذي تدفعه القوات العمومية المغربية للقيام بدور “حارس الجدار”. فالأرقام الميدانية والمواجهات الشرسة التي شهدتها نقاط التماس قرب الفنيدق، المضيق، والناظور، تنطق بحقيقة لا تقبل التزييف: أكثر من 100 إصابة في صفوف الأمن، بحيث سجلت المصالح الصحية تضرر ما يزيد عن 107 موظفين أمنيين بعد تعرضهم لكسور وجروح خطيرة واضطرابات ما بعد الصدمة أثناء تصديهم المباشر بصدورهم العارية لأولى موجات النزوح الجماعي.

كذلك، كان هناك استهداف ممنهج للمعدات والآليات، إذ تعرضت عشرات المركبات التابعة لقوات حفظ النظام للتخريب العمدي وإضرام النار من طرف مجموعات المقتحمين، مما ينفي تماما أسطورة “التساهل” التي يحاول البعض ترويجها.

وفوق هذا وذاك، تتكفل الدولة المغربية عبر مؤسساتها الوطنية بكافة التكاليف المادية والنفسية لإعادة تأهيل أفرادها المصابين، في استنزاف متواصل لمواردها البشرية والمادية لحماية شريط حدودي يفترض أنه مسؤولية مشتركة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: من يتقاعس حقيقة عند السياج؟ لأن المقارنة المجردة بين ما يحدث على طرفي السياج الحدودي تضع السلطات الإسبانية وإعلامها أمام مرآة الحقيقة وتفند أطروحات اليمين المتطرف وأعداء المملكة من أمثال إغناسيو سامبريرو:

بينما ينزف رجال الأمن المغربي في الخطوط الأمامية لمنع تدفق آلاف المهاجرين، وتسجل مستشفيات الشمال توافد سيارات الإسعاف الحاملة لرجال الأمن المصابين، يقف الحرس المدني الإسباني خلف السياج متفرجا بدعم لوجستي أدنى وبصفر خسائر تقريبا، مما ينقل تهمة “التقاعس وعدم التفاعل الجدي” مباشرة إلى المربع الإسباني.

كيف يمكن لإعلام مدريد أن يتهم المغرب بـ “التساهل” أو “التسهيل”، بينما تشهد الدماء والمعدات المتفحمة في الفنيدق وبني أنصار على حجم الصرامة والتصدي؟ إن هذه الخسائر المادية والبشرية تدمير كامل لهذه السرديات المضللة.

هذا وتبرهن هذه الأحداث على أن المغرب هو الطرف الوحيد الذي يدفع الفاتورة المباشرة من أمنه واستقراره وصحة أفراده للوفاء بالتزاماته الدولية، في حين تكتفي بعض الجهات الإسبانية بتصدير الأزمات السياسية وإعطاء الدروس الأخلاقية الفوقية.

على الجانب الإسباني أن يستوعب جيدا أن المقاربة المغربية في حماية الحدود ليست شيكا على بياض، وأن صبر المملكة على تنكر البعض للجميل وتغييب الحقائق لن يغير من واقع أنها درع حقيقي ومكين يقي أوروبا برمتها من هزات أمنية لا تُحمد عقباها.

الشراكة الأمنية الحقيقية لا تُبنى على إنكار تضحيات الآخرين أو المزايدة على دمائهم، بل على الاعتراف الصريح بالكلفة الباهظة التي تتحملها المملكة نيابة عن الجوار الإقليمي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني