التطبيع القانوني… هل يستطيع الاتفاق السياسي أن يمحو الجريمة؟

بقلم المحامي عمر زين*

إذا كان التطبيع السياسي يعني إقامة علاقات طبيعية بين طرفين كانا في حالة صراع أو قطيعة، فإن السؤال القانوني الذي يفرض نفسه هو: ماذا يحدث للحقوق والجرائم والمسؤوليات عندما تبدأ مرحلة التطبيع؟ وهل تستطيع الاتفاقيات السياسية أن تمحو ما ارتُكب من جرائم أو تمنع أصحاب الحقوق من اللجوء إلى القضاء؟
إن القانون لا ينظر إلى العلاقات السياسية بالطريقة نفسها التي تنظر إليها السياسة. فقد تتغير الحكومات والتحالفات والاتفاقيات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط الحقوق أو زوال المسؤولية عن الجرائم.
ماذا يعني التطبيع في القانون؟
لا يوجد، بالمعنى العام، نظام قانوني مستقل يسمى «التطبيع القانوني» يجعل الجرائم أو الحقوق السابقة ساقطة بمجرد إقامة علاقات طبيعية بين الدول.
والمقصود بالتطبيع في المجال القانوني هو الأثر الذي يمكن أن تتركه العلاقات والاتفاقيات الجديدة على الحقوق والالتزامات والدعاوى والمسؤوليات القانونية القائمة.
فقد يؤدي اتفاق سياسي إلى تنظيم العلاقات المستقبلية بين دولتين، وقد يتضمن تسويات أو تنازلات أو آليات لحل بعض النزاعات. لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن كل الجرائم السابقة قد اختفت، أو أن كل حق فردي أو جماعي قد سقط.
وهنا يجب التمييز بين التسوية السياسية وبين إسقاط المسؤولية القانونية عن الجرائم الدولية.
ماذا يُستهدف في القانون؟
أول ما يمكن أن يستهدفه التطبيع القانوني هو الحقوق والدعاوى القائمة.
فقد تكون هناك مطالبات تتعلق بالأرض والملكية والتعويضات والتهجير والاستيلاء على الموارد أو الأضرار التي لحقت بالأفراد والجماعات.
كما قد يستهدف المسؤولية الجنائية عن الجرائم الدولية، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم خطيرة مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن القانون الدولي الجنائي لا يتعامل مع هذه الجرائم باعتبارها مجرد خلافات سياسية يمكن إنهاؤها ببيان أو اتفاق.
وقد يستهدف التطبيع كذلك المطالبات أمام المحاكم الدولية والوطنية، أو المساعي الرامية إلى التحقيق والملاحقة والمساءلة.

هل تمنع اتفاقيات التطبيع الشكاوى والدعاوى؟
لا، ليس بمجرد حصول التطبيع.
فإقامة العلاقات الدبلوماسية أو توقيع اتفاق سياسي لا يؤديان تلقائياً إلى منع الأفراد أو الدول من استعمال الوسائل القانونية المتاحة لهم.
لكن الأمر يعتمد على طبيعة الدعوى، والجهة القضائية المختصة، وصفة الأطراف، والاختصاص القضائي، وأي اتفاق تسوية محدد.
فقد تتضمن بعض الاتفاقيات بنوداً تتعلق بتسوية مطالبات معينة أو التنازل عن مطالبات محددة، وقد تكون لهذه البنود آثار قانونية بحسب صياغتها والقانون الواجب التطبيق. لكن لا يجوز تعميم ذلك على جميع الجرائم والحقوق، ولا اعتبار التطبيع بحد ذاته إسقاطاً شاملاً للمسؤولية.
ماذا عن الجرائم الدولية؟
هنا تظهر الحدود الأوضح أمام فكرة أن التطبيع يستطيع أن «يمحو» الماضي.
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يحدد الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان ضمن الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة، كما ينص على مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية وعدم الاعتداد بالصفة الرسمية، وعلى عدم سريان التقادم على الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة.
وبالتالي، فإن تغيير العلاقات السياسية بين الدول لا يعني تلقائياً سقوط المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص جهة قضائية مختصة.
وهذا أمر جوهري: فالتطبيع بين الحكومات شيء، والمسؤولية الجنائية عن الجرائم الدولية شيء آخر.
هل يمنع التطبيع اللجوء إلى المؤسسات الأممية؟
التطبيع لا يمنع، بمجرده، اللجوء إلى منظومة الأمم المتحدة أو طرح قضية أمام الهيئات الدولية المختصة.
فميثاق الأمم المتحدة يؤكد في مقاصده على احترام حقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي، كما أن المادة 25 تلزم الدول الأعضاء بقبول وتنفيذ قرارات مجلس الأمن وفق الميثاق.
كما أن المادة 103 من الميثاق تقرر أنه عند تعارض التزامات الدول بموجب الميثاق مع التزامات ناشئة عن اتفاق دولي آخر، تكون الأولوية لالتزامات الميثاق.
لكن يجب الانتباه إلى أن لكل مؤسسة دولية اختصاصها وشروطها وإجراءاتها، ولذلك لا يكفي وجود قضية عادلة سياسياً، بل يجب أن تتوافر الأسس القانونية والإجرائية التي تسمح للجهة الدولية بالنظر فيها.
وماذا عن مجلس الأمن؟
التطبيع لا يلغي دور مجلس الأمن ولا يمنع الدول من إثارة المسائل التي تدخل ضمن اختصاصه.
فمجلس الأمن يتحمل المسؤولية الأساسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وفق ميثاق الأمم المتحدة، وله صلاحيات محددة بموجب الفصول ذات الصلة.
لكن طبيعة عمل مجلس الأمن تختلف عن عمل المحاكم؛ فهو جهاز سياسي دولي، بينما القضاء الدولي يعمل وفق قواعد الاختصاص والإجراءات والأدلة والقانون الواجب التطبيق.
ومن هنا لا يجوز الخلط بين المساءلة القضائية وبين التحرك السياسي داخل الأمم المتحدة.
هل يمكن أن تكون هناك «حصانة» بسبب التطبيع؟
التطبيع لا يمنح، بصورة عامة، حصانة تلقائية من الملاحقة.
وفيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية تحديداً، فإن المادة 27 من نظام روما الأساسي تقرر عدم الاعتداد بالصفة الرسمية للشخص أمام المحكمة، بما في ذلك كونه رئيس دولة أو حكومة أو مسؤولاً حكومياً.
لكن الاختصاص والحصانات أمام المحاكم الوطنية والدولية مسألة قانونية معقدة، وتختلف بحسب المحكمة والدولة وصفة الشخص والوقائع والاتفاقيات النافذة؛ لذلك لا يجوز القول إن التطبيع يمنح «حصانة شاملة».
القانون لا ينسى بمجرد المصافحة
قد تغير السياسة مواقفها، وقد تفتح الدول سفاراتها، وقد تعقد اتفاقيات اقتصادية وأمنية، لكن ذلك كله لا يعني أن التاريخ القانوني قد بدأ من الصفر.
فالحق في التقاضي لا يسقط لمجرد تغير العلاقات السياسية، والجريمة الدولية لا تتحول إلى عمل مشروع لمجرد أن مرت سنوات أو تغيرت التحالفات.
إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول عبارة «التطبيع» إلى ذريعة للقول إن كل ما سبق يجب أن يُنسى، وإن على الضحايا التخلي عن حقوقهم.
فالسلام الحقيقي لا يقوم على دفن العدالة، والتسوية السياسية لا ينبغي أن تكون ستاراً للإفلات من المسؤولية عن الجرائم التي لا يجوز للقانون أن يتجاهلها.
وقد تكون المصافحة بداية لعلاقة سياسية جديدة، لكن لا ينبغي أن تكون ممحاةً للتاريخ، ولا صكاً لإسقاط حقوق الضحايا، ولا حصانةً لمن ارتكب الجرائم الدولية.
وفي النهاية، يبقى السؤال:
إذا كان التطبيع يستطيع أن يغيّر العلاقات بين الدول، فهل يستطيع أن يغيّر القانون نفسه؟
الجواب، في الأصل، هو: لا؛ لأن السياسة قد تتغير، أما الحقوق والمسؤوليات التي يحكمها القانون فلا تسقط لمجرد أن الدول قررت فتح صفحة سياسية جديدة.
أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني