بقلم: عبد الحكيم العياط
لم تعد التحذيرات المتتالية بشأن سوق الطاقة العالمية مجرد أخبار اقتصادية عابرة، ولا مجرد انعكاس مؤقت للتوترات الجيوسياسية. ما يحدث في سوق المحروقات، وخصوصا سوق الديزل، يحمل مؤشرات مقلقة على دخول العالم مرحلة جديدة تتسم بتزايد المنافسة على مصادر الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع استعداد عدد من الدول لتصدير ما تعتبره ضروريا لأمنها الداخلي.
تقارير دولية عديدة تدق ناقوس الخطر، وتؤكد ان امتلاك طاقات تكريرية ضخمة لا يعني بالضرورة أن الأسواق ستظل قادرة على توفير الديزل بالكميات والأسعار نفسها، لأن المسألة أصبحت مرتبطة أيضا بمعدلات تشغيل المصافي، والطلب الداخلي للدول المنتجة، وحركة التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، وتوجه الدول إلى الاحتفاظ بمخزوناتها تحسبا للأسوأ.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرح داخل المغرب، ليس من باب التهويل، وإنما من باب الاستباق: ماذا تنتظر الدولة المغربية حتى تعزز استعدادها لمواجهة أي نقص محتمل في الديزل خلال المرحلة المقبلة؟
المغرب ليس دولة منتجة للنفط، ويعتمد بدرجة شبه كاملة على الأسواق الخارجية لتأمين حاجياته من المحروقات. وقد بلغ استهلاكه من الغازوال خلال سنة 2025 حوالي 6.69 ملايين طن، مقابل واردات بلغت نحو 6.86 ملايين طن. وهذه الأرقام وحدها تكشف حجم الاعتماد على الخارج في توفير المادة التي تمثل العمود الفقري لحركة النقل والفلاحة والصناعة والخدمات.
والغازوال في المغرب ليس مجرد وقود يباع في محطات التعبئة. إنه شريان أساسي للاقتصاد الوطني. فالشاحنات التي تنقل المواد الغذائية، والحافلات، وسيارات الأجرة، والآليات الفلاحية، ومجموعة واسعة من المعدات الصناعية والخدماتية، تعتمد عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. ولذلك فإن أي اضطراب حاد في تموين السوق بالديزل لن يبقى محصورا في قطاع المحروقات، وإنما سينتقل بسرعة إلى أسعار النقل والإنتاج والمواد الغذائية، ثم إلى القدرة الشرائية للمواطنين.
وهنا بالضبط ينبغي النظر إلى الديزل باعتباره جزءا من الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد سلعة تجارية تخضع لمنطق العرض والطلب.
قد يكون المخزون الوطني كافيا في الظروف العادية، وقد تكون عمليات الاستيراد مضمونة في المدى القريب، لكن الأزمات الكبرى لا تقاس بما هو متوفر اليوم، وإنما بقدرة الدولة على تأمين الإمدادات غدا عندما تتغير الظروف الدولية.
وهذا هو جوهر المشكلة.فإذا كانت دول كبرى بدأت في اللجوء إلى احتياطياتها الاستراتيجية، وإذا كانت بعض الدول المصدرة تتجه إلى تقليص صادراتها من المشتقات النفطية لحماية أسواقها الداخلية، فإن المغرب سيكون مضطرا إلى المنافسة على نفس الكميات مع اقتصادات أكبر وأكثر قدرة على تحمل ارتفاع الأسعار.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تكون لدى المغرب القدرة المالية على شراء الديزل. فقد تكون المشكلة في وجود الكميات نفسها، أو في قدرة الموردين على توفيرها، أو في تكاليف النقل والشحن، أو في قدرة الموانئ والمنشآت التخزينية على استقبال كميات إضافية خلال فترة قصيرة.
لذلك فإن مفهوم الأمن الطاقي ينبغي أن يتجاوز فكرة وجود مخزون يغطي عددا محددا من الأيام، إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على الصمود أمام اضطرابات الأسواق العالمية.
وإذا كان القانون المغربي يفرض على الفاعلين الاحتفاظ بمخزون أمني، فإن الظرف الدولي الحالي يطرح سؤالا مشروعا حول ما إذا كانت المستويات الحالية كافية فعلا في مواجهة أزمة عالمية طويلة، خصوصا أن المغرب يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد.
الأخطر من ذلك أن المغرب لا يملك حاليا قدرة تكريرية وطنية عاملة منذ توقف مصفاة سامير عن الإنتاج سنة 2015. ومع أن إعادة تشغيل المصفاة ليست مسألة بسيطة، وترتبط بتعقيدات مالية وقانونية وتقنية، فإن استمرار توقف هذه المنشأة لأكثر من عقد ينبغي ألا يمنع الدولة من إعادة التفكير في موقع التكرير والتخزين ضمن منظومة الأمن الطاقي الوطني.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الدولة التي تمتلك قدرة أكبر على التخزين والتكرير والنقل تكون أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية. ولذلك فإن قضية سامير لا ينبغي أن تختزل في نقاش قضائي أو مالي أو في مستقبل شركة متعثرة، وإنما يجب أن ينظر إليها أيضا من زاوية استراتيجية مرتبطة بالأمن الطاقي للمغرب.
كما أن المطلوب ليس فقط زيادة المخزون، وإنما تنويع مصادر الاستيراد والموردين، وإبرام عقود طويلة الأجل، وتطوير البنية التحتية للتخزين، وتعزيز قدرة الموانئ على استقبال الشحنات وتفريغها بسرعة، ووضع سيناريوهات واضحة للتعامل مع أي اضطراب مفاجئ في الأسواق الدولية.
والأهم من كل ذلك هو بناء منظومة وطنية للإنذار المبكر تستطيع رصد تطورات أسواق الطاقة العالمية قبل وصول آثارها إلى السوق المغربية.
الدولة الحديثة لا تنتظر وصول الأزمة حتى تبدأ في البحث عن الحلول.
وإذا كانت المعطيات الحالية لا تسمح بالقول إن المغرب مقبل حتما على نقص في الديزل، فإنها تسمح، في المقابل، بالقول إن هامش المناورة قد يصبح أضيق إذا استمرت الاضطرابات العالمية وتزايد الطلب على المشتقات النفطية.
وهنا ينبغي التفريق بين أزمة الأسعار وأزمة التموين. ففي حالة ارتفاع الأسعار يمكن للدولة أن تبحث عن آليات لتخفيف آثارها الاجتماعية والاقتصادية، أما في حالة حدوث نقص فعلي في الكميات المتاحة عالميا، فإن الدعم المالي وحده لن يوفر البرميل غير الموجود.
لهذا فإن الأولوية يجب أن تكون لتأمين الكميات قبل ارتفاع الطلب عليها، وتعزيز المخزون قبل تراجع الإمدادات، وتنويع الموردين قبل اضطراب الأسواق، وليس انتظار وصول الأزمة إلى محطات الوقود.
إن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وانفتاح اقتصاده واعتماده على التجارة الدولية، لا يستطيع أن يعزل نفسه عن التحولات الكبرى التي يشهدها سوق الطاقة العالمي. لكنه يستطيع أن يقلل من آثارها من خلال بناء هوامش أمان حقيقية.
لقد علمتنا الأزمات الأخيرة أن الأمن الاقتصادي لا يبنى بالارتجال، وأن الدول التي تستعد في أوقات الهدوء تكون أقل كلفة في مواجهة العواصف. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس ما إذا كان المغرب يعاني بالفعل من نقص في الديزل، لأنه لا توجد، في المعطيات المتاحة، أزمة نقص حادة معلنة. السؤال الأكثر أهمية هو: هل تنتظر الدولة المغربية ظهور النقص حتى تتحرك، أم أنها ستستبق الأزمة وهي لا تزال تملك الوقت والخيارات؟
إن الاستباق في مجال الطاقة ليس ترفا ولا مبالغة في الاحتياط. إنه جزء من السيادة الاقتصادية. فالاحتياطي الاستراتيجي ليس مجرد أرقام في التقارير، والمخازن ليست مجرد منشآت تجارية، والموانئ ليست مجرد مرافق لوجستية، ومصفاة النفط ليست مجرد مشروع صناعي. كلها مكونات لمنظومة الأمن الوطني في زمن أصبحت فيه الطاقة إحدى أهم أدوات القوة الجيوسياسية.
وإذا كان العالم بدأ يستعد لمرحلة قد تصبح فيها المنافسة على الديزل أكثر حدة، فإن السؤال الذي ينتظر المغاربة جوابا واضحا عنه هو: هل أعددنا ما يكفي من الديزل قبل أن يصبح الحصول عليه أصعب وأكثر تكلفة؟
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



