تدخل مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة أكثر حساسية، بعد سلسلة من اللقاءات التي جرت مساء أمس الثلاثاء، والتي كشفت عن انتقال المشاورات من مرحلة جس النبض إلى البحث الفعلي عن الصيغة التي يمكن أن تشكل الأغلبية الحكومية المقبلة.
وكان آخر لقاءات أمس استقبال المنصوري للأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين، في جولة ثانية من المشاورات، بعد لقاءات شملت في اليوم نفسه الأمين العام للاتحاد الدستوري محمد جودار، والأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية عبد الصمد عرشان.
ويأتي لقاء أوزين في سياق اتصالات مكثفة تجريها المنصوري مع مختلف الأحزاب، غير أن المعطيات المتداولة حول مخرجات هذه الجولة تشير إلى أن الحركة الشعبية لا توجد، في هذه المرحلة، ضمن الصيغة الأكثر تداولاً للأغلبية الحكومية، التي تتركز حول الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، مع استمرار النقاش بشأن الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وباقي المكونات المحتملة.
وبالتوازي مع ذلك، يكتسي لقاء اليوم الأربعاء مع الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة أهمية خاصة، بعدما حسم المجلس الوطني للحزب بالإجماع قرار المشاركة في الحكومة المقبلة، وفوض بركة مواصلة المفاوضات بشأنها. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه المشاورات قد انتقلت إلى مناقشة أكثر تفصيلاً لطبيعة الأغلبية المقبلة وتركيبتها السياسية.
ويحظى حزب الاستقلال بموقع أساسي في الحسابات الحالية، بحكم حصوله على 65 مقعداً في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو ما يجعله أحد المكونات الرئيسية لأي صيغة أغلبية واسعة يجري بحثها حالياً.
أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد سجل خلال مشاوراته مع المنصوري تقارباً في عدد من الأولويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وأكد أمينه العام نبيل بنعبد الله أن اللقاءات أظهرت تجاوباً وتفاعلاً كبيرين بشأن قضايا من بينها تقوية الديمقراطية والحريات والحقوق، وتحسين القدرة الشرائية، وجعل البعد الاجتماعي محوراً أساسياً في البرنامج الحكومي.
وفي الاتجاه نفسه، يواصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مشاوراته حول المشاركة في الحكومة المقبلة، بعدما دخل الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر في جولة ثانية من الحوار مع المنصوري. وتفيد المعطيات المتداولة بوجود توجه داخل الحزب نحو المشاركة، في انتظار استكمال المساطر الداخلية والحسم النهائي.
أما التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على 66 مقعداً وحسم مجلسه الوطني استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة، فلا يزال موقفه من الصيغة النهائية للأغلبية غير محسوم بشكل رسمي. وكان رئيس الحزب محمد شوكي قد فُوض له مواصلة المفاوضات مع المنصوري، كما جرى الحديث عن لقاء ثان بين الطرفين ضمن الجولة الثانية من المشاورات.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى أن مشاركة الأحرار من عدمها يمكن أن تغير شكل الأغلبية المقبلة، في وقت تتداول فيه مصادر إعلامية صيغة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهي صيغة تصل، وفق نتائج الانتخابات المعلنة، إلى 207 مقاعد من أصل 395، أي أكثر من الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً. غير أن هذه الصيغة لم تُعلن رسمياً باعتبارها التركيبة النهائية للحكومة.
وفي المقابل، تبدو الحركة الشعبية أمام وضعية أكثر غموضاً بعد لقاء أوزين بالمنصوري مساء أمس، خصوصاً أن اللقاء جاء في وقت تتجه فيه المفاوضات نحو تضييق دائرة الخيارات بشأن الأغلبية. وقد استمر الاجتماع نحو 40 دقيقة، وفق ما أوردته مصادر إعلامية، دون صدور إعلان عن اتفاق بشأن مشاركة الحزب في الحكومة.
وتزامناً مع ذلك، تواصل المنصوري تقييم نتائج الجولة الثانية مع لجنة المشاورات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، والتي تضم إلى جانبها فوزي لقجع وأحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي، قبل الانتقال إلى الحسم السياسي النهائي في طبيعة التحالفات الحكومية.
وبذلك، أصبحت المفاوضات أمام مجموعة من الملفات المترابطة: تثبيت التحالفات، تحديد مكونات الأغلبية، الاتفاق على البرنامج الحكومي، ثم الانتقال إلى توزيع المسؤوليات والحقائب الوزارية.
وتشير وتيرة اللقاءات خلال اليومين الأخيرين إلى أن المشاورات تقترب من مرحلة الحسم، خصوصاً مع توالي اللقاءات الثنائية وعودة قادة الأحزاب إلى مؤسساتهم لاتخاذ المواقف النهائية. غير أن التركيبة الحكومية لا تزال، إلى حدود الآن، غير معلنة رسمياً، فيما تستمر المنصوري في استكمال الاتصالات قبل رفع الصيغة النهائية إلى المؤسسات المعنية.
ومع اقتراب افتتاح الدورة البرلمانية، تتحول مشاورات تشكيل الحكومة إلى سباق مع الزمن، وسط ترقب لما ستسفر عنه لقاءات المنصوري مع الاستقلال والأحرار وباقي الأحزاب، وما إذا كانت الصيغة المتداولة حالياً ستتحول إلى أغلبية نهائية، أم أن الساعات الأخيرة من المفاوضات ستعيد ترتيب التحالفات من جديد.




