الخدعة الكبرى في جحر الارتزاق: كيف تحول “الكابران اللحية” إلى المحرك الفعلي لأجهزة الدولة من حيث لا يدري وظل جيراندو دمية يُحركها الخوف والغباء؟
لم تعد تسريبات “أطلس هاكس” المدوية لمحادثات “الكابران اللحية” المهدي حيجاوي مع الناشط محمد رضا الطاوجني مجرد فضيحة غدر بيني أو كشف لمخططات إجرامية تتنوع بين الأقفاص والصناديق وعمليات الإسقاط الجنسي، بل إن القراءة النفسية والسياسية الصادمة لهذه المحادثات تفجر فكرة جهنمية أشد فتكا تعري الحجم الحقيقي للهوان الذي يتمرغ فيه هذا الثنائي.
تتجلى الحقيقة الصادمة في أن “الكابران اللحية” الذي ظل يحول السموم إلى جيراندو وربما آخرين، تحول في الواقع ومن حيث لا يدري أو يشعر إلى أكبر مخبر ومسرب ومزود مجاني للمؤسسات السيادية المغربية ببيانات وشبكات المرتزقة بالخارج، حين غدا يبيع أسرار حلفائه وتفاصيل حياتهم الخاصة ونقاط ضعفهم في محادثات هاتفية صادحة، ليقدم لرجالات الدولة على طبق من ذهب التشريح الدقيق لبنية هذه العصابة الداخلي دون أن تتكبد أجهزة البلاد أدنى مجهود ميداني.
لقد تحول الموظف المعزول بفعل أحقاده الشديدة وغروره الأعمى إلى أكبر أداة اختراق وتفكيك ذاتي لجبهة الارتزاق، محققا بخياناته ما لم تكن تتوقعه أي جهة، ومثبتا أن أعتى أعداء هؤلاء الهاربين هم أنفسهم وسوء تدبيرهم وغرائزهم البدائية.
وفي المقابل، يقف الهارب هشام جيراندو في منتصف هذا السيرك الإجرامي كأكبر “مغفل نافع” في تاريخ الصراعات الرقمية، بعدما اتضح للرأي العام الوطني والدولي أنه لم يكن سوى مجرد ظاهرة صوتية مسلوبة الإرادة، دمية مصلوبة أمام الكاميرات تعيش في جحيم زائف، بينما يُدار مصيره بالكامل من خلف ظهره عبر حليفه الموثوق الذي رسم له أدوار البطولة أمام المتابعين وفرش له طريق المسلخ في الغرف المغلقة.
إن هذا الانكشاف يضع جيراندو أمام حقيقة مريرة لا مفر منها؛ فهو ليس معارضا ولا مطاردا من جهات عتيدة، بل هو مجرد ضحية لغبائه المركب الخاضع لابتزاز “صديقه المقرب” الذي اختبر نقاط ضعفه في السهرات والكؤوس والعاهرات، ليحول حياته إلى كابوس مفتوح يترقب فيه لحظة رميه في “قفص الكلاب” أو شحنه في “صندوق الموت” عبر صفقات انتحارية مأجورة.
إنها نهاية تراجيدية ومضحكة في الآن ذاته، تُظهر كيف يرقص المرتزق على حبال الأوهام، بينما يمسك الخائن الآخر بطرف الحبل ليعقده حول عنقه، مستعينا بالمال والرذيلة لإتمام اللعبة.
إن هذا السقوط المدوي يوجه صفعة قاضية لكل من توهم يوما أن هؤلاء الأقزام يمتلكون مشروعا أو قضية؛ فقد تبين أن “جبهة الخارج” هي مجرد مستشفى مجانين مفتوح يدار بالاحتيال والغدر البيني، حيث يتخيل “الكابران” نفسه زعيما فاشيا يمتلك سلطة الإبادة النازية والتصفية الجسدية، بينما يمارس في الواقع دور الوشاح الصغير الذي يفضح عورة حليفه ويبيع أسراره مقابل وهم التسوية.
لقد دمرت تسريبات “أطلس هاكس”، ومصادقة الواقع الميداني الذي كشفه الطاوجني، السردية المزيفة بالكامل، وتركت جيراندو يحصد خيبة العمر وهو يعلم أن كل كلمة صرخ بها في فيديوهاته كانت تُصرف في الحين إلى أورق مساومة وسكاكين مسمومة يشحذها حليفه لغرسها في ظهره؛ لتظل المملكة المغربية بمؤسساتها الشامخة تتفرج برزانة على هذا الانتحار الذاتي الجماعي لشرذمة لا تحتاج سوى إلى هاتف وتسريب صوتي لتمزيق بعضها البعض ودفن أسطورتها الكاذبة في مزبلة التاريخ الأخلاقي والجنائي.




