نشوة الذكرى الأولى لعيد الوحدة.. فرح بانتصارات “المملكة الشريفة”

زكرياء لعروسي

لن أكتب اليوم بقلم الأكاديمي.. ولا بمنهجية الدارس الجامعي.. لن أكتب بتفاصيل المحلل السياسي.. لن أبحث عن فصاحة الأديب أو سرد الروائي.. ولن أعلق بتتبع الصحافي للخبر.. سأكتب بنشوة الفرِح المنتصر.. سأكتب متلذذا بألقة وطني.. منتشيا بانتصارات دبلوماسيتنا.. سأكتب وأرقص على أهازيج هويتي وانتمائي.. سأطبل، سأعزف، سأغني “عيشي يا بلادي”.. سأنتشي بوحدة وطني.. من طنجة العالية إلى لكويرة الغالية.
في الحادي والثلاثين من أكتوبر المقبل، نحتفي نحن المغاربة قاطبة بذكرى غالية وعزيزة كتب فيها الوطن تاريخ أمجاده بمداد من ذهب، نضالات وكفاح هادئ حكيم لصون الوحدة.. منتشيا بمعنى الوحدة.. نستحضر مسارا طويلا من الدفاع عن صحرائنا الغالية، وما راكمته القضية الوطنية من تحولات سياسية ودبلوماسية.
ولقد اكتسب هذا التاريخ دلالة جديدة مع اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 سنة 2025، وإعلان صاحب الجلالة الملك محمد السادس عيد الوحدة مناسبة وطنية تستحضر هذا التحول الكبير وانتصار صوت الحكمة والروية والتنمية وخدمة الإنسان ووحدة الأوطان على صوت الرصاص والترهيب وشراء الذمم وتجنيد المرتزقة.. وللتاريخ ذاكرة تتجاوز اليوم الذي يقع فيه الحدث؛ وأصبح موعدا لاستعادة مسار الدفاع عن حوزة الوطن، وتأمل ما انتهى منه من منجزات، وما يفتحه من أسئلة تنموية.. وعيد الوحدة، في دلالته وعمقه ونشوته، مناسبة للاحتفاء بألقة المغرب، الذي راكم مكتسبات هامة في تدبير قضيته الوطنية الأولى، وفي ما تقتضيه المرحلة من عمل يليق بحجم التحول الذي عرفه هذا الملف.
توج القرار الأممي مسار دبلوماسي طويل، حكيم وسديد، حملت خلاله المملكة الشريفة مبادرة الحكم الذاتي إلى المحافل الدولية، وقدمتها باعتبارها تصورا لتسوية سياسية في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية.. دافعت عنها بصدق وجدية، واقتنع المنتظم الدولي بجدية الحل وواقعيته ومصداقيته، وقد منح القرار 2797 المبادرة المغربية موقعا مركزيا في مرجعية المفاوضات، وهو تطور وتقدم وصم النقاش الذي رافق البحث عن تسوية للنزاع. وتستدعي هذه اللحظة قراءة هادئة لمضمون القرار، ولموقعه في مسار الأمم المتحدة، ولما يفتحه أمام الجهود السياسية المقبلة.. قراءة بنشوة الانتصار.
في القرارات الأممية تتداخل الصياغات والمواقف والحسابات، وتحتاج إلى عمل متواصل حتى تجد طريقها إلى الواقع، وقد دخلت القضية الوطنية، مع هذا التطور، مرحلة تستدعي من المغرب مواصلة الجهد الدبلوماسي، وإعداد التصورات الكفيلة بتدبير استحقاقاتها.. كرست منطق الوحدة الذي حفر وجدان كل مغربي، من طنجة إلى لكويرة.. إلى آخر حبة رمال في لكويرة…!
مع مرور سنة على القرار، لابد أن ننتشي أيضا بنشوة سؤال الحصيلة، ما الذي أضافته هذه السنة إلى رصيد القضية الوطنية؟ وأين وصلت الجهود الرامية إلى تحويل التطور الأممي إلى مسار تفاوضي يفضي إلى تسوية نهائية؟ وإجابة النشوة تقتضي استحضار الوقائع التي شهدتها المرحلة، ومواقف الدول، والتحركات الدبلوماسية، وما تحقق في مسار التفاوض، وانتكاسة أعداء “الوحدة” الوطنية والترابية. كما تقتضي متابعة دقيقة لما يصدر عن الأمم المتحدة، والتمييز بين المواقف السياسية المعلنة والنتائج التي تترتب عنها. وقد أظهرت الانتصارات المغربية أن الدبلوماسية الجادة تحتاج إلى نفس طويل، وإلى قدرة على قراءة التحولات الدولية واستثمارها، وإلى عمل هادئ يتجاوز لحظة الحدث نحو بناء شروط التسوية.. والأهم إلى قول الحقيقة والصراحة وبناء الثقة مع الشركاء.. عن الشراكة رابح رابح، وليست شراكات شراء الذمم والولاءات.. لذلك تبدو الذكرى الأولى للقرار فرصة للانتشاء بمسار سنة كاملة، واستشراف ما تستوجبه المرحلة من مبادرات وخطوات.
وخلاصة النشوة بمنطق الوحدة ألا حل خارج الحكم الذاتي، فالمبادرة المغربية، التي أصبحت أساسا للمفاوضات وفق قرار الوحدة الأممي، قد دخلت مرحلة تعميق بنائها القانوني والمؤسساتي، وتوضيح طبيعة المؤسسات التي ستتولى تدبير الشأن المحلي، واختصاصاتها، وعلاقتها بمؤسسات الدولة، وآليات انتخابها ومساءلتها. يتعلق الأمر بتصور سياسي نابع من رؤية مؤسساتية واضحة، تستحضر التجارب المقارنة، وتراعي خصوصية المجتمع المغربي وتنوعه، وتحفظ وحدة الدولة وسيادتها، ونابع من رغبة صادقة في خدمة التنمية.. لأنها مرحلة تاريخية، وفرصة لن تتكرر، تفتح أمام دول المنطقة فرصا جديدة، وتضع أمامها مسؤولية الإعداد لمحطة المقبلة، وهي محطة تطهير شمال إفريقيا من بؤر الإرهاب، وركوب قطار التنمية والشراكة التي تخدم الجميع.. اليد الممدودة للخير والتعاون والاستثمارات والرقي بشعوب المنطقة.
يحمل عيد الوحدة في طياته معان تتصل بالمجتمع، وبعلاقة المواطن بالمؤسسات، وبمكانة الأقاليم الجنوبية داخل الوجدان الوطني.. فالوحدة الوطنية تعني عند المغاربة المشاركة، والثقة، وتكافؤ الفرص، وقدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المواطنين. وتستحق الكفاءات المحلية فضاءات أوسع للمساهمة في تدبير الشأن العام، كما تستحق الثقافة الحسانية حضورًا متينًا في الحياة الثقافية والمؤسساتية، بوصفها مكونًا أصيلًا من الهوية المغربية، التي انصهرت في فسيفسائه، وأتشرف وأنا من مواليد الرباط، أن أجدادي دفنوا هناك في أقصى السمارة، في صحرائنا الحبيبة..
إنها مرحلة تفكير جاد في تأهيل النخب، وتطوير الحكامة، وتوسيع فرص الشباب في المبادرة وتحمل المسؤولية.. مرحلة تجيب عن الأسئلة المرعب التي طرحت حول أوضاع المحتجزين في مخيمات تندوف.. القضية الإنسانية التي تستدعي إيجاد أفق ينهي معاناة طال أمدها، ويفتح إمكانات العودة والاندماج والمشاركة في الحياة الوطنية، بما يصون الكرامة والحقوق.. العودة للحضن الدافئ للوطن.
وتتصل أسئلة النشوة بالتنمية في الأقاليم الجنوبية، حيث تتوفر مؤهلات جغرافية واقتصادية تجعلها فضاءً واعدا للاستثمار والربط الإفريقي والاقتصاد البحري والطاقات المتجددة. وترسم أفق سياسات عمومية تعزز التشغيل، وتطور التكوين، وتدعم المقاولات، وتوسع قاعدة الاقتصاد المنتج، وتربط المشاريع الكبرى بالحاجيات اليومية للسكان.. ترسخ العدالة المجالية، وتحسن الخدمات، وتشرك الفاعلين المحليين في تحديد الأولويات وتقييم النتائج. فالمواطن يتطلع إلى أن يجد أثر التحولات السياسية في حياته، وفي فرص أبنائه، وفي قدرته على بناء مستقبله داخل مجاله الترابي.. لا إلى بنادق الإرهاب والزج به في الاقتتالات الدموية، وأنفاق حرب العصابات. لأن التنمية عمل يومي هدفه توسيع إمكانات المجتمع، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وترسيخ الارتباط بالمستقبل المشترك.
وللنزاع امتداد مغاربي يصعب تجاهله، وإن أردنا.. عاشت المنطقة عقودًا من التوتر، بينما كانت شعوبها في حاجة إلى فضاء للتعاون والتبادل والاستثمار المشترك.. وكلفة استمرار القطيعة ثقيلة على الجميع. وإن دول المغرب الكبير تتقاسم تحديات التنمية والأمن والهجرة والتغير المناخي، وتملك مؤهلات بشرية واقتصادية وجغرافية تسمح لها ببناء تعاون أوسع. ومن شأن التقدم نحو تسوية النزاع أن يفتح مجالًا لإعادة بناء الثقة، وإحياء الحوار المغاربي، والتفكير في مستقبل إقليمي يستجيب لتطلعات الشعوب. فالمغرب الكبير يملك من عناصر القوة ما يؤهله إلى حضور مؤثر في محيطه الإفريقي والمتوسطي، وتحتاج هذه الإمكانات إلى إرادة سياسية حقيقة وجادة، تنهي منطقة المكيدة، وتفتح آفاق التعاون والتكامل المغاربي.
نشوة وفرحة، بعد سنة على القرار الأممي.. عيد الوحدة مناسبة للتأمل في مسؤوليات المرحلة واستشرافها.. وهي لحظة تتيح للمغرب أن يستحضر ما تحقق، وأن يهيئ شروط المستقبل بثقة ووعي بحجم المسؤولية. كما تتيح للمنطقة أن تفكر في الزمن الذي استهلكه النزاع، وفي الفرص التي ما تزال ممكنة أمام شعوبها.
وسيظل يوم 31 أكتوبر، بما يحمله من رمزية وطنية، موعدا لاستحضار وحدة المغرب، وما يمكن أن تمنحه من أمل في مستقبل مغاربي أكثر تعاونًا واستقرارًا.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني