أساتذة الثانوي سيُدَرسون بالجامعة.. وهكذا يتصدى الأكاديميون لهذا القرار

أصدر خالد الصمدي، كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، مذكرة تحول أساتذة التربية الوطنية، من التعليم الثانوي، إلى محاضرين يدرسون في الجامعات المغربية.. أصدرها في 22 يونيو المنصرم، طالبا من رؤساء الجامعات موافاة الإدارة المركزية بالتخصصات التي تعرف خصاصا في التأطير، قصد وضع أساتذة التعليم الثانوي رهن إشارة الجامعات.. ليجد التلميذ أستاذه الذي درسه العربية أو الفلسفة أو الاجتماعيات…، أستاذاً للقانون الدولي أو السميائيات أو علم الإحصاء الاقتصادي…، بعد بلوغ حلم التحصيل العلمي في التعليم العالي، على يد الأكاديميين والباحثين المتخصصين.

وفي تصريح حصري لـ”كواليس اليوم” ، قال الدكتور ادريس السفياني، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأحد رواد النقابة الوطنية للتعليم العالي، إن القرار متسرع، ولم تراوح مشاورات إصداره مكاتب الوزارة، وينم عن ارتجالية في التسيير، مشددا على عدم اتهام نيات صناعه، إلا أنه يتسم بعدم التبصر والروية.

وأكد الأستاذ السفياني، أن القرار يجب أن يكون أنضج، من خلال فتح نقاش مفتوح مع مختلف الفرقاء والفاعلين، الذين يَخبرون تدبير قطاع التعليم العالي، مضيفا أن علة سد الخصاص، لا تبيح إغراق الجامعات بأستاذة التعليم الثانوي، لضرورة فصل الجانب البيداغوجي عن البحث العلمي، الذي يقوم على ثلاثية التكوين والتأطير والبحث العلمي، فليس كل مدرس يصلح أن يكون باحثا (حسب تعبير الأستاذ)، حيث ركزت الوزارة على التكوين وأغفلت العناصر الأخرى الأكثر أهمية.

وندد أستاذ التعليم العالي، بهذا القرار الذي سيرفع سنوات التمدرس في أسلاك الثانوي من ثلاث سنوات إلى ستة، مؤكدا أن تجربة “الترقاع” تجربة مريرة، عرقلت إصلاح التعليم العالي بالمغرب، انطلاقا من المغادرة الطوعية التي حرمت الجامعة من خيرة أطرها، مروراً بتحويل 500 موظف إلى أساتذة التعليم العالي، ثم رفع سن التقاعد، وصولا إلى وضع أطر التربية الوطنية رهن إشارة الجامعات.

إن المسلك السليم والأوحد لاختيار أستاذ باحث جامعي، يضطلع بمهام التكوين والتأطير والبحث العلمي، هو المباراة، يضيف المتحدث،”فإذا كانوا صالحين أكفاء، أليس التعليم الثانوي أولى بهم؟ مما يعني أن وزارة التربية الوطنية تعاني من فائض في أطرها التربوية؟!”، مقترحا استثمار الوزارة لكفاءات أطرها في تكوين باقي الأساتذة.

واعتبر الأستاذ السفياني، أن القرار يحبط عزائم طلبة الدكتوراه، ويحد من آفاق الدكاترة حديثي التخرج، فالأولى، حسب المتحدث، توفير مناصب للتعاقد مع الطلبة الباحثين بسلك الدكتوراه، لسد الخصاص، في أفق خلق مناصبَ جديدة.

وفي سياق متصل، أصدر التيار التصحيحي للنقابة الوطنية للتعليم العالي “قادمون قادرون”، التي يشغل الأستاذ السفياني منصب سكريتيرها العام، بلاغا، في متم يونيو المنصرم، يعبر عن استنكاره الشديد لمنهج التدبير، الذي لا يستند إلى أدنى مستوى مطلوب من المشاورات، واعتبر البلاغ أن جانب البحث مهمول  في المذكرة، التي ستعمل على بلقنة النظام الأساسي، وأن الوزارة مخطئة في إصدارها.

البلاغ  شديد اللهجة، لغة وحجة وبيانا، دعا وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي إلى التراجع عن قرارها، وتوفير مناصب مالية لتوظيف أساتذة باحثين. حاشداً همم المواقع الجامعية من أجل التعبئة الشاملة للتصدي لكل ما من شأنه أن يمس بالجامعة العمومية المغربية.

وفي اتصال هاتفي بالدكتور محسن الدريسي البوزيدي، المتخرج حديثا من كلية العلوم بالرباط، عبر عن استياء الطلبة الدكاترة من هذا القرار، الذي سيحول دون التحاق أفواج من حديثي التخرج، بمدرجات الجامعة.

واعتبر البوزيدي أن القرار الارتجالي، لن يسد خصاص الجامعات بقدر ما يغرقها في وحل ضعف التكوين، لينقل إليها المشاكل التي يتخبط فيها قطاع التربية الوطنية، والذي سيؤثر لا محالة على ترتيب جامعات المغرب، وسط الجامعات العالمية والإقليمية.

مذكرة الصمدي،أثارت سخط مكونات منظومة التعليم العالي بالمغرب، وأسالت مداد أقلام الباحثين الأكاديميين، شيبهم وشباباهم، وأنذرت بحلول قارعة ستعصف بالتعليم العالي المغربي، وترمي به في غَيابة الجُب، بعد صراط الإصلاح العسير، الذي ظهرت أوراق ثمره وينعه.. بعد أن صعدت بعض جامعات المغرب سلم المراتب المتقدمة لجامعات العالم، وصمدت في وجه خمس سنوات عجاف عاشها تدبير قطاع التعليم العالي.

ويشعل قرار تحويل أساتذة الثانوي إلى أساتذة باحثين أكاديميين، فتيل الضجر، ويملأ نفوس الطلبة الباحثين الذين يحضرون أطاريح دكتوراتهم باليأس والإحباط.. الذين يتلقون تكوينات في البيداغوجية والتأطير والبحث.. لصناعة أساتذة باحثين ومبدعين.

قد يكون المبدع  موسيقارا، معلمة في دنيا النغم والطرب، أو فنانا يداعب ريشة ألوانه، أو أستاذا ثانويا أو إعداديا أو حتى ابتدائيا “ونهائيا”، يتقن تلقين الدروس والمقررات التي تعدها وزارة التربية الوطنية، وكأني به يفتح رؤوس تلامذته المطأطأة، ليشحنها بمراجع الوزارة، إلا أن نعته بصفة الأستاذية الباحثة حماقة مرتكبة في حقه. فبين مئات أساتذة الثانوي الأكفاء، الذين حافظوا على إيقاع البحث العلمي والتحصيل الأكاديمي، توجد مئات أخرى لا تحمل جمجمتهم سوى ما رسب بها من مقررات مادتهم في التعليم الثانوي، يحملهم التاريخ مسؤولية تدهور أوضاع التعليم الأساسي، ولعلهم لا يتذكرون عنوان أطروحة دكتوراهُم، إلا بشق الأنفس.

 

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني