شتان بين الأمس واليوم

مراد زربي

حدث في الأيام الخوالي المجيدات، أيام النخوة العربية و العزة و التمكين أن مادت الأرض من تحت أقدام الخليفة العباسي المعتصم تحت وقع صرخة استغاثة مدوية  لامرأة لا هي من سلالة الأمراء و لا من هيئة كبار القوم و سادته إنما هي امرأة من العامة تشكو ضعف قوتها و  حيلتها  تنادي وا معتصماه آملا في تخليصها من أسر وقعت في شباكه في بلاد الروم

صرخة ما لبثت أن استقرت في قلب المعتصم كسهم خاطف فأدمته فحركت دم العروبة الغالي في عروقه فانتفض في الحين معلنا حالة تأهب و استنفار قصوى في صفوف جيش  أبسل من البسالة نفسها و يعض الجندي منه يده من الغيظ حزنا أن ينتهك عرض مسلمة في بلد الكفر و الكافرين.

و لأننا في زمن مجد الأمة و منعتها و عزتها فما الحاجة إلى الجيوش و الحشود و الأساطيل؟! إن كانت إلا رسالة مقتضبة مختصرة لا إسهاب فيها فإذا بامبراطور الرومان يرجع في الحال عن العدوان و الطغيان و يأمر بإرجاع الأمة المسلمة معززة مكرمة إلى بلاد العربان بمعية حراس من النساء يحرسونها حتى لا يخدش حياؤها

و تحكي كتب التاريخ أن امبراطور الروم  لم يغن عنه جبروته ولا صولجانه شيئا بل إنه و بمجرد أن وقعت عيناه على رسالة المعتصم تناولها تناول المنتظر لها بشوق  لا فرحا إنما خوفا سرعان ما تحول إلى رعب ظهرت علاماته بوضوح على فرائصه التي ارتعدت ارتعادا و على توازنه الذي اختل اختلالا. لقد كانت رسالة شديدة اللهجة  تنم عن جدية مرسلها من خلال تضمينها عبارات تهديدية قوية استهلها بقوله: من المعتصم خليفة المسلمين إلى كلب الروم. أما بعد فإني و الله لإن لم تطلق سراح المرأة المسلمة المسجونة لديك لأسيرن لك جيشا أوله عندك و آخره عندي

و في موقف يجسد بجلاء شموخ الأمة و علو كلمتها في زمن كتبت حروفه بمداد من ذهب، أجاب طاغية الروم إجابة الخاضع الذليل المستسلم  دون أن يمنح نفسه الفرصة للتفكير و لا الوقت ليستشير بأن قال:  ما أنا وشعبي إلا وطوع إرادتك

و نحن نستحضر هذا الجزء المضيء من تاريخ الأمة و كيف أن أعداءها انقادوا لإرادتها كما ينقاد البعير، أكيد أن الحر منا لن يقدر على ابتلاع حقيقة الواقع المر مرارة العلقم و القطران، الذي نقاسيه اليوم في ظل حالة الشتات و التشردم التي تميزنا عن باقي بني البشر في جميع أنحاء المعمور رغم أن لنا امتياز و حدة الدين و اللغة

فإذا كانت صرخة امرأة و احدة أقامت الدنيا و لم تقعدها في زمن لا إعلام فيه و لا تكنولوجيا، فإن صرخات وصيحات آلاف الغزاويين   نساء و رجالا  و ولدانا قد تناقلتها وسائل الإعلام و الاتصال في مشارق الأرض و مغاربها لم تكن لتحرك في العرب ساكنا من محيطهم  إلى خليجهم

و  هكذا و في الوقت الذي أغار فيه طيران العدو الصهيوني على غزة يقصف ذات اليمين و ذات الشمال غير آبه بوجود العزل من الأطفال و النساء، اتسم الموقف العربي كعادته بالسلبية و اكتفت دول الربيع العربي تتفرج على مخلفات الخريف الغزاوي اللهم الاكتفاء ببيانات ذات كلمات فضفاضة لا تسمن و لا تغني من جوع

و لعل ما يثير الاستغراب و الدهشة أن تبادر دول عربية إلى قصف ليبيا العربية بطيرانها الحربي و ألا ترقب في فيها إلا و لا ذمة متذرعة بضرورة تحرير شعبها من ديكتاتورية القذافي و إقرار الديموقراطية بينما لا تجرؤ طائرات الدول البترولية على التحليق ساعة من نهار في سماء تل أبيب لنصرة المستضعفين من إخواننا بفلسطين و ما أدراك ما فلسطين؟ فأي الفريقين أحق أن نقاتل أولا، نظام عربي مستبد أم كيان صهيوني متغطرس يمارس إرهاب الدولة و لا  يتكلم إلا لغة الدم و التقتيل؟ أم أن العرب  أسود لا تزأر  إلا على أسماع بعضها البعض و تخرس في حضرة من هم من غير جلدتها مجسدين قول الشاعر : أسد علي و في الحروب نعامة   ربداء تجفل من صفير الصافر

إن من يرى موقف العرب المتخاذل يخيل إليه أن القوم لا حول لهم و لا قوة و لكن العكس هو الصحيح بحيث يكفي التلويح بورقة البترول أو تلويح مصر بإمكانية إلغاء معاهدة كام ديفيد لبعثرة أوراق الدولة العبرية و حلفائها الغربيين و لكن أنى لهم ذلك و قد مات فيهم كل شيء إلا شهواتهم

إلى أن يستفيق العرب من غفوتهم تستمر إسرائيل في انتهاكاتها للأراضي المقدسة و تستمر بموازاة مع ذلك صرخات الأيامى من أهل غزة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني