د. محمد ناجي ـ أكادير
الجانب التطبيقي ـ الحلقة الثانية
القصد الجنائي وتعطيل سلطة الاتهام
إن القارئ للمقالين المنشورين في “كواليس اليوم” ؛ مقال: ـ((ما رأي وزير العدل في جرائم هذا المساح الطوبوغرافي ( ) ))ـ ، والمقال ذي العنوان الفرعي في سلطة الملاءمة ـ القسم الثاني1: ـ((مسؤولية النيابة العامة تجاه وثيقة مشبوهة ( ) ))ـ ؛؛ سيدرك بكل سهولة مدى بساطة المشكل الذي كان معروضا على النيابة العامة، ومدى سهولة إنجاز المطلوب منها، ومدى رسوخ ملتمسات المشتكي وتجذرها في المطالب القانونية العادية العادلة، التي لا تطالب بأكثر من إعمال القانون، وحق المساواة بين المواطنين.. ومن ثم فإنه سيخرج من قراءتهما مستغربا كيف لهذه المسألة أن تصبح “قضية” في وسائل الإعلام الوطنية.. لأنها في جوهرها ليست بدرجة من التعقيد، أو فيها ملابسات سياسية، أو اتهامات متبادلة …؛ إنها لا تطالب إلا بالتأكد من وجود أو عدم وجود قطعة أرضية مساحتها 13 هكتارا، على ضفة نهر أبي رقراق .. هذا كل ما يطالِـب به المشتكي، بعد أن ووجه هو وأسرته في شكايات متعددة قدمت ضدهم من طرف شخص اتهمهم بأنهم وعدوه ببيع تلك الأرض، وأنهم رافقوه إليها، وأوقفوه عليها، وأنه عاينها، وطاف بها، ورآهم يتصرفون فيها، وأنه أحضر إليها مساحا لينجز له شهادة بإثبات حالها…
والشكاية التي قدمت للنيابة العامة لم تكن تلتمس منها الخوض في تفاصيل هذه النازلة، وملابساتها؛ وإنما فقط :
« التحقق من صحة تلك الشهادة التي يتهمها المشتكي في شكايته بأنها << شهادة لا أصل لها >>، وذلك بالتأكد من << وجود أو عدم وجود >> تلك الأرض التي ادعى المساح أنه عاينها وصنع لها تلك الشهادة «.
ولا نعتقد أنه يمكن أن تكون النيابة العامة في أكادير، أو في المغرب كله، قد توصلت في يوم من الأيام بطلب فتح تحقيق في قضية بمثل هذه البساطة والوضوح .. خاصة بالنسبة لأرض تنسب لضفة أبي رقراق؛ التي هي ليست جزءا من الثلث الخالي من الدنيا، أو في أدغال الأمازون، بحيث يستعصي الوصول إليها، أو السؤال عنها.. بل حتى لو كانت تلك البقعة في كوكب آخر كالمريخ أو زحل؛ لكان من السهل في العصر الحاضر التأكد من حقيقة وجودها أو أنه لا وجود لها ؛ فما بالك بأن تكون في سلا.. وهناك مثل مغربي مشهور يقول : “ها سلا ، ها احوانتها” ، بحيث المدينة كلها معروفة، وليس فيها مكان مخفي أو يصعب الوصول إليه. وربما لو جُـمِـعَـتْ حوانيت سلا كلُّـها، ورصفت الواحدة جنب الأخرى، لما غطت مساحـتُـها مساحةَ تلك البقعة الأرضية التي نسبها المساح الطوبوغرافي لهذه المدينة الوديعة، الرابضة على ضفة أبي رقراق.
فهل هناك شيء أسهل من التحقق «من وجود، أو عدم وجود« تلك البقعة ذات المساحة الشاسعة بعشرات آلاف الأمتار المربعة، بين سلا وحوانيتها ؟؟ !
لو كان شبر من أرض نريد أن نتحقق من وجوده أو عدم وجوده في سلا، لتحققنا منه في دقائق معدودات، فما بالك بأرض مساحتها 130.000 متر مربع !!
ولكن النيابة العامة في أكادير ـ مع احترامنا لوجهة نظرها ـ لم تُـفَـعِّـل سلطتها المخولة لها لإجراء بحث وتحقيق في صحة وجود أو عدم وجود تلك الأرض، لمعرفة حال تلك الشهادة التي أنجزها المساح الطوبوغرافي لها، وسماها افتراء “شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك”. كما رفضت ضمنيا إعمال إنابة قضائية إلى النيابة العامة بسلا ، رغم الالتماس المقدم لها ، باعتبار الاختصاص المكاني.
إن مضمون الشكاية يتمحور حول مطلب بسيط، وسؤال سهل يحتمل إجابة واحدة لا غير : نعم أو لا.. ؛ فهي مسألة لا مكان فيها للاحتمال، أو “يجوز الوجهان”، ولا تتعلق بالفصل بين شهود إثبات وشهود نفي بحيث يصعب ترجيح فريق على آخر، كما لا تحتمل إعمال سلطة تقديرية ، أو قياس، أو اجتهاد ، أو اقتناع وجداني … لاشيء من ذلك على الإطلاق ؛ هي إما موجودة ، أو لا وجود لها؟ .. فإذا كانت موجودة، فإثبات وجودها من السهل بما يكون؛ بالدليل المادي أو القانوني أو العقاري. وإذا لم يكن لها وجود ؛ فمن المستحيل إثبات وجودها. وهذا هو موطن التحدي الموجه من طرف المشتكي للمساح الطوبوغرافي في الشكاية التي حفظتها النيابة العامة.
فإذا أضفنا إلى عنصر الموقع العام، المشهور والمعروف لكل العالم، عنصرا آخر ؛ أكثر حصرا، وأهدى لمعرفة حقيقة تلك الأرض، وهو نقط الاستدلال (les points de repère) التي يمكن استنباطها من شهادة إثبات الحالة الراهنة موضوع الشكاية، حيث نجد المساح قد وضع لتلك الأرض حدودا طبيعية، وهي : نهر أبي رقراق غربا، والبركة شمالا .. مما يجعل الاهتداء إليها أيسر من الاهتداء إلى للا شافية، لأن الحدود الطبيعية من أنهار وجبال وبحار لا تتغير إلا بتغير طبيعة الأرض ؛ بينما الحدود التي تحد بأسماء الملاكين المجاورين، يمكن أن تتغير بتغير الملاكين، أو بتداخل الأراضي بعضها في بعض بالشراء أو بالعوض أو بالقسمة أو غيرها .
وهكذا؛ فإما أن هناك بقعة مساحتها 13 هكتارا، يحدها أبو رقراق غربا ، والبركة شمالا، وفلان وفلان من الجهات الأخرى… وإما أنها بقعة لا وجود لها، فلا شرق ولا غرب، ولا زيد ولا عمرو؛ بل كلها وهم في وهم، وباطل وافتراء على الله والعدالة وأبي رقراق..
ونتيجة لعدم تفعيل النيابة العامة لسلطتها في إصدار أمر بفتح تحقيق في الشكاية، وأصدرت بدله قرارات بحفظها؛ فإنها تكون بذلك قد اختارت أن تُـبـقِـيَ على المشكل معلقا، رغم بساطة الحسم فيه . و في رأي المشتكي فإنه إذا كان هناك إجماع على أن العدالة تتضرر من التعسف في استعمال السلطة؛ فهي تتضرر أيضا من عدم تفعيل تلك السلطة لفائدتها، للعلاقة التعاقدية بين العدالة والنيابة.. فإن كان عبد المطلب يحمي إبله، فالنيابة العامة هي التي تحمي بيت العدالة بتعهده وفتح أبوابه ونوافذه للضوء والهواء، فـتـنـتـعـش مواده وفصوله، ويحس الناس بأنها حية متحركة ، ينتفع منها المحتمون بحرمة بيتها.
وما دامت المسألة بهذا الوضوح وتلك البساطة في وجهيها معا: إثباتِ وجود أرض أو نفيه؛ وفي ضوء اتخاذ قرار بحفظ شكايتها؛ فإن الذي يترتب عن ذلك هو السؤال عما تكون العدالة قد كسبته أو خسرته من هذا الحفظ .. بالنظر إلى أن أول؛ بل أقدس ما يجب أن يُـراعَى في أي قرار أو حكم قضائي، هو صالح العدالة.. لأن صالح العدالة أولى من كل اعتبار، لا يجب تجاوزه أو التنازل عنه، وأن وكيل الملك أولى الناس بالحرص على ضمان حق العدالة ، والمختص وحده بتحريك القانون لفائدتها، تنفيذا للوكالة الممنوحة له من الملك، بشرطها، كما بيناه في الحلقة 2 من القسم الأول..
وللوصول إلى معرفة ماذا كسبت العدالة أو خسرته من هذا الحفظ ؛ فإننا سنفترض ـ كما فعلنا في الحلقة السابقة ـ أن النيابة العامة أمرت بفتح تحقيق في شأن تلك الشهادة وانتهى إلى أنه لا أصل لها، لعدم وجود أرض على ضفة نهر أبي رقراق تنطبق عليها ؛ فإن النيابة العامة تصبح في هذه الحالة ملزمة بإعمال سلطتها الأخرى؛ وهي سلطة توجيه الاتهام. وقد بينا في القسم الأول السبب الذي من أجله انتزع مشرع العصر الحديث سلطة توجيه الاتهام من يد قاضي الحكم واختص بها النيابة العامة، ضمانا للوصول إلى محاكمة عادلة، حتى لا يبقى قاضي الحكم في وضعية تَـنافٍ بين حالتين؛ فيكونَ خصما وحكما في نفس الوقت .. وهو الوضع الذي احتج عليه الشاعر أبو الطيب المتنبي منذ أكثر من أحد عشر قرنا، بأسلوب مهذب لبق، في مخاطبته لسيف الدولة:
يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي
فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ
وقد قلنا بأن مفهوم سلطة توجيه الاتهام لا يعني دائما الجانب الموجب، بل يدخل فيه أيضا، جانبه السلبي بإصدار قرار بحفظ الشكاية ، الذي يترتب عنه إجرائيا، تعطيلُ سلطة توجيه الاتهام ، مع بقائها مسطريا، معطلة حتى أمام محكمة الموضوع، لما ذكرناه من أن قاضي الحكم ليس من صلاحياته توجيه الاتهام، وإن كان مخولا له تكييف التهمة، أو تكييف ملاءمة المتابعة، أو تفريد العقوبة… مما يبقي على الجريمة حية فاعلة في مأمن من العقاب؛ وهو ما يتعارض مع التفويض غير المشروط الممنوح من طرف المجتمع المدني للنيابة العامة، لحمايته من الجريمة والتصدي لها ، أو القضاء عليها والحد من آثارها..
وبدهي أنه إذا لم تُـفَــعِّـل النيابة العامة سلطتها في توجيه الاتهام إلى الجاني فلن تكون متابعة، وإذا لم تكن متابعة فلن تكون محاكمة، وإذا لم تكن محاكمة فلن يكون حكم زجري رادع لمقترفها ، وإن لم يكن حكم زجري فلن تنفذ عقوبة في حق الجاني، وإذا لم ينفذ العقاب في الجاني فقد ضاع حق الدولة.. وإذا ضاع حق الدولة في العقاب فقد انتعشت الجريمة، التي تظل تفعل فعلها في المجتمع، متطاولة على القانون الذي حيل بينه وبين الاقتراب منها لوضع حد لاستمرار مفعولها الإجرامي ، حتى لا تظل حية قائمة الذات، مجسمة في شهادة مزورة تُـتـداول بين الناس، في تحد سافر للقانون الذي يمنع وجودها، لاستحالة تعايشه معها في بيت واحد : فإما أن يقضي عليها، أو تقضي عليه .
وبهذا تتضح أهمية قولة المحامي الفرنسي جورج كيجمان KIEJMAN GEORGE ) ) التي أشرنا إليها في الحلقة الأولى من هذا المقال ( ) :
« إن النيابة العامة نظرا لما لها من صلاحيات في حفظ الشكايات تعدّ أهم قاض في فرنسا« ؛ لأن المسطرة الجنائية هي عبارة عن دائرة متوالية مترابطة الحلقات ، إحداها تفضي للأخرى، منطلقها ومنتهاها بيد النيابة العامة، فإذا لم تحركها النيابة العامة، بقيت الدائرة كلها معطلة راكدة، وبقيت الجريمة، في مقابل ذلك، فاعلة مستمرة. فهل من يستطيع أن يعطل حركية جهاز العدالة أو يُـفَـعِّـلها، لا يستحق أن يكون هو أهم فاعل فيها ؟
ولذلك فإن أنكى صورة يمكن أن يراها رجل القانون في ممارسته لعمله، هي رؤيته لكتاب “القانون الجنائي ـ مع آخر التعديلات” موضوعا فوق مكتبه ، وفوقه شهادة مزورة غطت عليه، وخنقته، ومنعته من الانفتاح عليها ليبيدها، كما تباد الفيروسات الضارة؛ حيث إن ذلك هو ما جعل كل التشريعات الكونية تنص على وجوب صدور الحكم بإعدام الوثيقة المزورة.. بأمصال “القانون الجنائي” .
وعليه، فإذا أثبت التحقيق أن تلك الشهادة وهمية، لا أصل لها؛ فإنها ستتحول من حالتها العادية باعتبارها شهادة قانونية تسمى “شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك” إلى حالتها الجنائية بصفتها جسم الجريمة الذي يشكل الركن المادي لها ، كما عبر عن ذلك الدكتور عبد الواحد العلمي في كتابه “شروح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجديدة” حيث قال في تعريفه لمثل هذه الورقة : «المحرر (أو الورقة) المشكل للدليل الكتابي في المادة الجنائية قد يكون جسم الجريمة ذاتها، لكونه يشكل “الركن المادي لها ” ، ونحو ذلك العقد المزور، والرسالة التي تتضمن تهديدا لشخص … وقد يكون المحرر جامعا للأمرين معا (أي للركن المادي للجريمة والدليل عليها في نفس الوقت) » .
فإذا أصبح جسم الجريمة وركنها المادي متوفرا لدى وكيل الملك، فإنه ينتقل بالضرورة إلى إعطاء وصف قانوني لتلك الجريمة، بحسب الوصف المطابق لذلك الفعل المقترف في القانون الجنائي. وواضح أن الوصف الوحيد الذي يوصف به الفعل الجرمي المقترف في هذه النازلة هو ” التزوير”؛ الذي عرفه المشرع في القانون الجنائي بقوله : « الفصل 351 : تزوير الأوراق هو تغيير الحقيقة فيها بسوء نية؛ تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع في محرر بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون» .
حيث يتضح من هذا التعريف أن التزوير هو تغيير الحقيقة بسوء نية .. وهو ما يوصف بالقصد الجنائي.. والذي يُـعَـرَّف بأنه “علم الجاني بأنه يقوم مختارا بارتكاب الفعل الموصوف جريمة “… وهو ما أسِّـس عليه المبدأ القانوني العام : “لا يعذر أحد بجهله للقانون” ، لأن الأفعال المجرمة معلومة لدى الجميع.. ولذلك جاءت المادة الثانية في قانون المسطرة الجنائية عامة شاملة، لم تستـثـن أي جريمة من الحق في إقامة دعوى عمومية لتطبيق العقوبات، ودعوى مدنية للتعويض عن الضرر ..
فإذا أعطى وكيل الملك للفعل المجَـرَّم وصفه القانوني، فإنه ينتقل إلى ملاءمة الفعل الجرمي بما يناسبه من فصول المتابعة ، وهذا يقتضي الوقوف على شخص المجرم بحسب موقعه ووظيفته وعلاقته بجسم الجريمة، ونوع الورقة المزورة، وما إلى ذلك بما يتوافق مع فصول جريمة تزوير الأوراق التي تختلف في عقوبتها المقررة لها من شخص إلى شخص، بحسب المعطيات السابقة، ..
وصانع هذه الشهادة هو “مساح طوبوغرافي” ، أي أنه موظف عمومي؛ حسب ما نصت عليه المادة (224) من التشريع الجنائي المغربي : »يعد موظفا عموميا… كل شخص كيفما كانت صفته يعهد إليه في حدود معينة بمباشرة وظيفة أو مهمة ولو مؤقتة، بأجر أو بدون أجر، ويساهم بذلك في خدمة الدولة، أو المصالح العمومية، أو الهيئات البلدية، أو المؤسسات العمومية، أو أية مصلحة ذات نفع عام«.
والشهادة التي أنجزها هذا المساح ورقة رسمية عمومية متعلقة بوظيفته؛ لأنها توصيف لنتائج المسح الطوبوغرافي الذي ذكر أنه أجراه على تلك الأرض، وسماها ” شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك “..
فإذا اجتمع لدينا ورقة رسمية عمومية، مزورة تزويرا كليا، أنجزها موظف عمومي في إطار قيامه بمهمته الوظيفية المسندة إليه قانونا ، أثبت فيها وقائع وهمية لأرض لا وجود لها، وأثبت فيها أسماء لأشخاص موهومين باعتبارهم جوارا لتلك الأرض، لأن المنعدم الوجود لا يكون له جسم مادي حتى يوقف عليه، أو تكون له مساحة أو شكل هندسي ، أو يكون له جوار.. مما يجعل ذلك التزوير:
ــ متعمدا مقصودا،
ــ اقترف بسوء نية،
ــ إضرارا بالغير، يدل عليه تصريح المساح الطوبوغرافي في ديباجة تلك الشهادة بأن تلك الأرض هي موضوع نزاع.. فيكون بذلك قد زورها لفائدة الطرف الذي طلبها منه ليستعملها في نزاعه.
ــ تضرر بها مشتك وأفراد أسرته؛ لأن تلك الشهادة قد استعملها فعلا ذلك الشخص الذي سلمت له ، وأدلى بها للقضاء في شكايات ضده وضد أفراد أسرته .
فإذا وصل الأمر بالنيابة العامة إلى هذه النتائج؛ فإنه لا يبقى أمامها إلى أن تتخذ في حق الجاني الإجراءات المسطرية القانونية لتحيله على محكمة الموضوع.. وهو ما يفسر لنا قولة الأستاذة ميشال لوفر راسات MICHELLE LAVRE RASSAT ؛ وهي أستاذة مبرزة في جامعة باريس، سبق أن أنجزت تقريرا حول إصلاح قانون المسطرة الجنائية : « إن النيابة العامة هي جهاز الربط ما بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، مكلفة بإسماع صوت الأولى لدى الثانية ». ( ) ؛؛ وعلى أساسه ارتأى المشرع أن يجعل الكتاب الأول في المسطرة الجنائية يدور حول : “التحري عن الجرائم ومعاينتها” ..
فلما حفظت النيابة العامة تلك الشكاية، فقد تعطل كل هذا؛ وعُـقِـلـت سائر أبواب المسطرة الجنائية الأخرى، كما تعطل كل ما يترتب عنها ، وأوله توجيه التهمة بالمشاركة والاستعمال .
ذلك أن هذه الشهادة أنجزها المساح الطوبوغرافي ـ حسب تصريحه فيها ـ بناء على طلب من عبد العزيز أبو المجد، وقد أكد المساح هذا في تصريحين رسميين آخرين، عند جوابه على سؤالين وردا في محضرين استجوابيين متعلقين بمن طلب منه إجراء ذلك المسح الطوبوغرافي ، ومن رافقه ودله على تلك الأرض ؛ فأجاب بأن الذي طلب منه ذلك ورافقه ودله على العقار هو عبد العزيز أبو المجد. (انظر أسفله صورة من ذينك المحضرين ) .
ثم تأكد القصد الجنائي لطالبها عندما استعملها أمام القضاء، وهو عالم بحالها، لمغالطته وتضليل العدالة.
وبهذا تصبح التهمة ثابتة أيضا حتى بالنسبة للمسمى عبد العزيز أبو المجد بناء على الفصول 128 و 129 و 130 من القانون الجنائي ؛ بالإضافة إلى الفصل 356 المتعلق باستعمال ورقة مزورة مع علمه بتزويرها.
غير أن قرارات حفظ الشكاية عطلت كل هذا، وأوقفته ، وحمت المجرم من تعرضه للعقاب الذي هو حق للدولة؛ والنيابة العامة هي الشخص الإجرائي الوحيد الذي أوكلت إليه الدولة صلاحية مباشرة اقتضاء حقها في العقاب ؛ تحقيقا لحسن سير العدالة، وحماية الشرعية ، وضمان أمن المجتمع .
إننا بالنظر إلى الأهمية القصوى التي توليها العدالة لترصد الجريمة، ومعاقبة المجرم، نجد أنه قد نشأ في إطار التخصصات العلمية التي تتألف منها دراسة القانون الجنائي، تخصص دقيق اسمه “علم اكتشاف الجرائم”، الغاية منه بالدرجة الأولى عدم السماح للمجرم بالإفلات من العقاب.. يقول الدكتور عبد الواحد العلمي في كتابه “شرح القانون الجنائي المغربي” ـ القسم العام ـ : «لا ينازع أحد في أهمية علم اكتشاف الجرائم؛ إذ بدونه تظل القواعد الجنائية معطلة بدون مفعول [ لا حظ أنه هو نفسه ما يترتب عن حفظ شكاية بجريمة واقعة ] ؛ وذلك لأن الجاني إما أن يتمكن من التهرب من العدالة ويظل ينعم بحريته رغم ارتكابه للجريمة، وإما أن يضلل العدالة ويدفعها لمعاقبة شخص آخر لم يرتكب الجريمة أصلا عوضا عنه. وواضح أن كلا الأمرين شر يجب توقيه بلا هوادة، نظرا لما يحدثه من أضرار بليغة بشرف وسمعة العدالة الجنائية، التي يلزم المحافظة عليها دائما » ..
فهل توقينا هذا الشر؛ ولو حفاظا على شرف وسمعة العدالة الجنائية ؟





