الأستاذ: علي اعمو.
كاتب من المغرب.
نُشر في أحد المواقع مقال يتحدث عن خلافات داخل القيادة الإيرانية، مقدماً إياها باعتبارها عاملاً مؤثراً في مسار المفاوضات ومستقبل النظام.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات حول الأدلة التي يستند إليها. فالحديث عن صراع بين القيادات السياسية والعسكرية لا يصبح حقيقة لمجرد تداوله إعلامياً، كما أن اختلاف التقديرات أو توزيع الصلاحيات لا يعني بالضرورة وجود انقسام يهدد تماسك مؤسسات الدولة.
واللافت أن المقال يردد، بصورة أو بأخرى، ما يقوله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عدم وجود جهة إيرانية واضحة يمكن التفاوض معها. لكن الوقائع تطرح سؤالاً يصعب تجاهله: مع من تفاوضت واشنطن في جنيف وباكستان؟ ومن كان يمثل إيران في تلك المفاوضات؟.
لقد شارك وزير الخارجية عباس عراقجي في مفاوضات جنيف، كما شارك في مفاوضات إسلام آباد وفد إيراني برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، مقابل وفد أمريكي ترأسه نائب الرئيس جاي دي فانس. والأكثر دلالة أن مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان لإنهاء الحرب وُقّعت في يونيو 2026، وذكرت وكالة رويترز أن من بين الموقعين عليها دونالد ترامب وجاي دي فانس ومحمد باقر قاليباف، فيما أدت باكستان دور الوسيط والشاهد.
فكيف يقول ترامب إنه لا يجد جهة يتفاوض معها، بينما تفاوض مع مسؤولين إيرانيين، ووقّع مذكرة تفاهم مع ممثل إيراني رفيع المستوى؟ إن هذا التناقض يضع تصريحاته موضع تساؤل، ويؤكد أن عدم الاتفاق في بعض الجولات لا يعني غياب المُحاور الإيراني، ولا يُثبت وجود صراع داخلي على السلطة.
أما الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فقد كشفت أن الرهان على حسم سريع وإسقاط النظام أو تغيير بنيته لم يكن أمراً مضموناً. فقد اغتيلت قيادات بارزة ودُمّرت منشآت عسكرية ومدنية، لكن إيران أعادت ترتيب مراكز القرار وواصلت إدارة المواجهة. وهذا لا ينفي حجم الخسائر التي تكبدتها، لكنه يوضح أن الضربات العسكرية لم تحقق تلقائياً الهدف السياسي الذي راهن عليه خصومها.
كذلك لم يتحقق الرهان على أن تؤدي الحرب إلى انتفاضة شعبية تسقط النظام. فرفض التدخل العسكري الخارجي والدفاع عن سيادة البلاد لا يعني بالضرورة تأييد جميع سياسات السلطة، لكنه يدل على أن الخلافات الداخلية لا تعني قبول الشعب بتدخل أجنبي أو بحرب تستهدف بلاده.
لقد راهنت واشنطن على القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية، لكنها وجدت نفسها أمام دولة حافظت على مؤسساتها واستمرت في التفاوض من موقعها. واليوم يواجه ترامب سؤالاً أساسياً: هل يتجه إلى تسوية سياسية تعترف بوجود طرف إيراني له مؤسساته ومطالبه، أم يواصل التصعيد أملاً في تحقيق ما لم تحققه الحرب؟.
إن التحليل السياسي الرصين يقتضي التمييز بين الوقائع والادعاءات، وعدم تحويل التصريحات الإعلامية إلى حقائق. ومن يدّعي وجود انقسام حقيقي داخل القيادة الإيرانية عليه أن يقدم دليله، لا أن يكتفي بترديد رواية ترامب، بينما الوقائع التفاوضية نفسها تُظهر وجود مسؤولين إيرانيين جلسوا إلى طاولة المفاوضات وشاركوا في التوصل إلى مذكرة تفاهم وتوقيعها.




